ابومحمدالحسيني
18-11-2006, 06:34 PM
الحرب على الإسلام: الجوانب المعلنة والخفية (1)
السيد زهره
إنه القرآن.. اللهم فاشهد
* دراسة للبنتاجون: مشكلتنا الأساسية هي مع القرآن
* لمصلحة من يثير الجابري شبهات حول القرآن؟
* مجموعات سرية تقوم باعداد" قرآن حديث".
لعلك تذكر عزيزي القارئ انه سبق لي ان كتبت منذ نحو عام سلسلة من المقالات تحت عنوان «القرآن.. القرآن.. القرآن». كانت مناسبة كتابة هذه المقالات كتاب ظهر في الغرب يشكك في القرآن الكريم ويثير الشبهات حوله وحول مصداقيته، واحتفت بالكتاب في ذلك الوقت مجلة «نيوزويك» الامريكية الشهيرة احتفاء شديدا. في تلك المقالات حاولت ان اشرح بعضا من ابعاد الحملة في الغرب على القرآن الكريم ومحاولات التشكيك فيه بل وتغييره، والتي شارك فيها باحثون عرب قيل انهم يعكفون على تعديل القرآن.
في مقالات تالية، حاولت ان انبه الى هذه الحملة التي تستهدف القرآن الكريم، كان آخرها حين ناقشت ما وجهه بابا الفاتيكان من اساءات للإسلام، وكيف انه اراد فيما اراد حين شكك في القرآن ان يفتح حملة جديدة على كتاب الله.
اعود اليوم لإثارة القضية من جديد.. قضية استهداف القرآن الكريم. والمناسبة هذه المرة مقالان قرأتهما للمفكر المغربي المعروف محمد عابد الجابري صدمني ما قاله فيهما كما لابد انه صدم الكثيرين ممن قرأوهما ويتعرض فيهما للقرآن. رأيت من الواجب مناقشة القضية في اطار اشمل، اي في اطار الحرب المعلنة على الإسلام بصفة عامة محاولا في هذه السلسلة من المقالات شرح ابعادها المعلنة والخفية.
***
لماذا؟.. ولمصلحة من؟
نشرت صحيفة «الاتحاد» الإماراتية مؤخرا مقالين لمحمد عابد الجابري، واعادت نشرهما مواقع اليكترونية. المقال الاول بعنوان «ما قيل انه رفع او سقط من القرآن» والثاني بعنوان «المصادر الشيعية والزيادة والنقصان في القرآن». الذي يقوله الجابري في المقالين باختصار شديد هو ان القرآن وقع فيه تحرف ونقص. ويقول «جميع علماء الاسلام من مفسرين ورواة حديث يعترفون بأن هناك آيات وسورا قد سقطت او رفعت ولم تدرج في نص المصحف. واورد في مقاله الاول 13 رواية، وفي الثاني اقوالا لعلماء الشيعة، تؤكد ان القرآن وقع فيه نقص وتحرف». وفي نهاية مقاله الاول يقول: «يعلل علماء الاسلام من اهل السنة ظاهرة سقوط آيات من القرآن بكونها داخلة في معنى النسخ، غير ان علماء آخرين انكروا ان يكون ذلك من النسخ وقالوا ان ما ذكر من الزيادة والنقصان في القرآن يرجع الى خبر الاحاد، والقرآن لا يثبت به، وانما يثبت بالتواتر». الكل يعلم ان هذه القضية التي يتحدث فيها الجابري ليست قضية جديدة ابدا. هي مثارة منذ زمن طويل جدا وبتوسع اكبر بكثير مما طرحه.
ولست هنا بصدد الرد على ما قاله الجابري وان كنت ملما بأبعاد القضية. مهمة الرد نتركها لعلماء الدين الافاضل الذين هم اكثر قدرة على الحديث في هذه المسألة. لكنني اريد ان اناقش القضية من الجوانب التي افهم فيها، اي في ابعادها السياسية والاستراتيجية في اطار الحرب الضارية ضد الإسلام والعالم العربي والإسلامي. وأول ما تبادر الى ذهني حين قرأت المقالين هو هذا السؤال: لماذا يقول الجابري هذا الكلام الان؟.. لأي هدف بالضبط؟.. لمصلحة من اثارة الشبهات حول القرآن الكريم في هذا التوقيت بالذات؟ الجابري مفكر له اسهاماته المعروفة بغض النظر عن الاتفاق او الاختلاف حول قيمتها وجدواها. ولابد لهذا انه يعلم بالضرورة ما هي النتائج الفكرية والسياسية التي يمكن ان تترتب على اثارة مثل هذه الشبهات حول القرآن الكريم في هذا الوقت بالذات. ويصعب جدا ان نتصور انه كتب ما كتب على سبيل مجرد الاجتهاد او السهو او الخطأ غير المقصود.
بالنسبة لي، سواء قصد الجابري هذا ام لم يقصد، فان ما كتبه يندرج في نفس سياق حملة ضارية اكبر يشنونها في الغرب، وفي امريكا على وجه الخصوص، على الاسلام وعلى القرآن الكريم. وهذا ما اريد ان اوضح ابعاده في هذا الحديث.
***
لماذا يستهدفون القرآن؟
تقليديا، كانت الحملة على القرآن الكريم ومحاولات التشكيك فيه وفي كونه كلمة الله كان يشنها اساسا المسيحيون واليهود، ولأسباب دينية بالاساس، اي في اطار سعي اتباع الديانتين الى اثبات ان ديانتيهم هما الاصح. لكن الجديد في السنوات الماضية انه انضم الى هؤلاء في استهداف القرآن الكريم القوى الاستعمارية الجديدة في امريكا الساعية الى الهيمنة على مقدرات الدول العربية والإسلامية. والجديد ايضا ان استهداف الإسلام والقرآن الكريم اصبح جزءا لا يتجزأ من الاستراتيجية الرسمية للهيمنة التي تعتمدها قوة عظمى هي الولايات المتحدة الامريكية. كيف ولماذا؟ اعني كيف تطور التفكير الاستعماري الاستراتيجي الامريكي بحيث وصل الى النقطة التي وجد فيها ضرورة شن الحرب على الإسلام وعلى القرآن؟
القضية بالنسبة اليهم تطورت على النحو التالي:
أولا: منذ ان بدأت امريكا شن حملتها الاستعمارية الرامية الى الهيمنة على مقدرات العالم العربي والاسلامي، اكتشفت ان القوى التي تتحدى هذه الهيمنة فعليا وتقاومها عمليا هي في المقام الاول قوى اسلامية مرجعيتها اسلامية. من افغانستان الى العراق الى فلسطين الى لبنان، القوى الاسلامية هي التي تقاوم الاستعمار الامريكي والصهيوني وتنزل به الهزائم وتوجه اليه الضربات الموجعة. واكتشفت امريكا ان هذه القوى المقاومة يحركها بالذات مفاهيم الجهاد والاستعداد للتضحية دفاعا عن الدين وعن الاوطان.
ثانيا: في اطار هذه المقاومة الاسلامية، توقف الامريكيون بصفة خاصة امام ظاهرة اعتبروها مصدر خطر اساسي على مشروعهم الاستعماري، هي ظاهرة الاستشهاديين، الذين يطلقون عليهم الانتحاريين. اعتبروا ان هذه الظاهرة مصدر رعب شديد وخطر داهم لكل مشروعهم. كلفوا عشرات من مراكز الابحاث بدراسة الظاهرة، وبالذات من زاوية محددة.. ما الذي يدفع هؤلاء بالضبط الى التضحية بأرواحهم على هذا النحو؟
ثالثا: انه على مستوى الشعوب العربية والاسلامية بصفة عامة رصدوا حالة عامة من العداء والكراهية لأمريكا ولسياساتها. وايضا فسروا هذه الحالة بأسباب اسلامية، وبدليل الصعود الدائم للقوى الاسلامية في اي دولة تجري فيها انتخابات.
رابعا: بناء على ما سبق، توصلوا الى نتيجة نهائية مؤداها ان الخطر الذي يهدد مشروع الهيمنة الاستعمارية ليس خطرا نابعا من مجموعات اسلامية راديكالية او عنيفة او ارهابية ايا كانت التسمية، وانما الخطر ينبع من الاسلام ذاته كدين. وبالتالي، توصلوا الى نتيجة استراتيجية مؤداها ان الحرب الحقيقية التي يجب شنها اذا اريد لمشروع الهيمنة ان يتحقق ينبغي ان تكون حربا على الاسلام. بعبارة اخرى اعتبروا ان المعركة الحقيقية هي معركة تغيير الاسلام نفسه كدين وعلى تطويعه بحيث لا يصبح مصدرا لتهديد مشروع الهيمنة.
ولهذا في السنوات القليلة الماضية، اصبحنا نقرأ في التحليلات الاستراتيجية الامريكية باستمرار تعبيرات مثل «الاسلام الاصلاحي» او «الاسلام المعاصر» او «الاسلام المعولم» او «اسلام القرن الحادي والعشرين». وكلها تعني امرا واحدا ان الاسلام كدين يجب ان يتغير جذريا.
خامسا: في القلب من معركة تغيير الاسلام تأتي معركة القرآن بالنسبة اليهم.. كيف؟ معروفة الان خططهم وضغوطهم من اجل تعديل مناهج الدراسة والخطاب الاعلامي والديني في الدول العربية والاسلامية من اجل ما يسمونه الترويج لمفاهيم التسامح والذي يقصدون به في حقيقة الامر القضاء على قيم الجهاد والمقاومة. لكنهم توصلوا الى نتيجة جوهرية مؤداها ان كل هذا لا يكفي ولا يمكن ان يحقق الهدف النهائي المنشود. توصلوا الى نتيجة انه طالما ان القرآن هو بالنسبة إلى المسلمين كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل، فليس هناك امل لا في تغيير الاسلام، ولا في القضاء على قيم الجهاد والاستشهاد والمقاومة. هذه النتيجة كانت موضوعا لانشغال مراكز الابحاث الاستراتيجية في امريكا، بل وعلى مستوى الاستراتيجية الامريكية الرسمية. هكذا اذن، وباختصار شديد، تطور التفكير الاستراتيجي الامريكي حتى وصل الى ضرورة شن الحرب على الاسلام وعلى القرآن الكريم.
وهذا الذي قلته ليس مجرد تحليل او تقدير شخصي. هو محصلة القراءة والمتابعة الدقيقة للتفكير الاستراتيجي الامريكي في السنوات الماضية. وفيما يلي سأقدم بعضا من النماذج فقط لما يطرحونه في هذا الخصوص كي نعرف ماذا يريدون بالضبط.
***
ماذا يريدون؟
يصعب جدا حصر الدراسات والمقالات التي صدرت في امريكا والغرب عموما في السنين القليلة الماضية والتي تندرج في اطار الحرب المعلنة على القرآن الكريم. سأكتفي بعرض نماذج قليلة فقط تكفي لتبيان ما الذي يريدونه بالضبط من وراء حملتهم على كتاب الله.
الاب نيو هوس، احد المقربين جدا من زمرة المحافظين الجدد في امريكا، ويرأس تحرير مجلة يمينية. كتب يقول ان ازمة الغرب هي اساسا مع رسالة الاسلام ذاتها. وقال انه كي لا يصبح الاسلام تهديدا للعالم، فانه يجب ان يتخلى عن زعمه بأنه يمتلك الحقيقة، فهذا الزعم هو الذي يغذي المتطرفين والارهابيين ويشجعهم. يقصد هنا مباشرة انه طالما ظل المسلمون يعتقدون ان القرآن هو كلمة الله وان كل ما فيه حق، فان الاسلام سوف يظل يشكل تهديدا للعالم.
نفس الفكرة تبناها مركز ابحاث «امريكان انتربريز» في دراسة مطولة كتبها جيمس ويلسون تحت عنوان «الاصلاح الذي يحتاج إليه الاسلام». تعتبر الدراسة ان المشكلة في الاسلام، على عكس المسيحية، ان القرآن يضم عددا كبيرا من الاوامر والقوانين والتوجيهات التي تنظم كل شيء وتعتبر بالنسبة إلى المسلمين مقدسة لا يجوز المساس بها. وتذكر الدراسة ان مشكلة القرآن انه، مثل العهد القديم، من الصعب جدا تفسيره تفسيرا واحدا حاسما. وتزعم ان القرآن يضم كثيرا من الايات المتناقضة، وتضرب مثلا على ذلك بالاية التي تنص على انه «لا اكراه في الدين» وآيات اخرى تقول انها تناقضها. لنلاحظ ان نفس هذا المثال هو الذي استشهد به البابا بنديكت في محاضرته الشهيرة سيئة القصد والسمعة.
والخلاصة التي تنتهي اليها دراسة مركز الابحاث الامريكي هي انه لابد من «تحديث القرآن». وتشير هنا الى ان هناك باحثين يعكفون فعلا على مهمة «تحديث القرآن»، وان الفكرة الاساسية في هذا التحديث هو التأكيد على المقاصد العامة جدا في القرآن من دون التقيد بالضرورة بالاحكام «الضيقة» التي يتضمنها.
كاتب ومؤرخ آخر اسمه سبينجلر تعرض لنفس القضية في اكثر من مقال نشره. الافكار التي طرحها في مقالاته بهذا الخصوص تتلخص فيما يلي: طرح السؤال: كيف يمكن «اصلاح« الاسلام؟ واجاب بأنه في حالة المسيحية بدأ الاصلاح بالنص الديني، وان هذا هو ما يجب ان يحدث مع الاسلام. وبشكل اكثر صراحة قال: «في حالة الاسلام، يجب ان يبدأ الاصلاح من البحث واعادة النظر في النص القرآني نفسه». والمشكلة في رأيه انه بحسب العقيدة الاسلامية، فان القرآن منزل من الله، اوحى به جبريل لمحمد، وبالتالي فان اي نقد او مراجعة للنص القرآني هو امر محرم، فكيف يمكن انتقاد كلمة الله؟ ويذكر انه لهذا السبب فان عملية انتقاد النص القرآني اليوم هي عملية سرية يقوم بها مجموعات من الباحثين يدرسون مصادر بديلة مثل قرآن اليمن.
في رأي هذا الباحث ان الاسلام الراديكالي يواجه الغرب كله بالاعتقاد بأن الاسلام يمتلك الحقيقة المقدسة، وبالاستعداد للتضحية في سبيلها. ويعتبر ان انتقاد القرآن هو السبيل الاساسي لمواجهة هذا الاسلام المتطرف. يقول نصا: «انتقاد القرآن يمكن ان يكون هو الدودة التي تنخر اساس الاسلام الراديكالي». ولهذا، فهو يدعو الغرب الى تشجيع حملة انتقاد القرآن.
هذه كما اشرت مجرد نماذج قليلة جدا لما يطرحونه في امريكا والغرب بخصوص القرآن الكريم. وكما نرى، فانهم باختصار يعتبرون ان استهداف القرآن الكريم مباشرة، سواء بالدعوة لتعديله او بالتشكيك فيه واثارة الشبهات حوله، هو ضرورة اساسية لمواجهة ما يعتبرون انه خطر يمثله الاسلام على الغرب.
***
البنتاجون والقرآن
قد يقول البعض ان مثل هذه الكتابات في امريكا والغرب حول القرآن الكريم مجرد آراء لكتاب او باحثين في مراكز ابحاث تعبر عنهم فقط، ولا تمثل بالضرورة موقفا او توجها رسميا تتبناه الادارة الامريكية. لكن هذه ليست الحقيقة. سوف اناقش تفصيلا في المقالات التالية ابعاد الاستراتيجية الامريكية الرسمية في محاربة الاسلام. لكن يهمني الآن في السياق الذي نناقشه فيما يتعلق بالقرآن الكريم ان اشير الى دراسة رسمية لوزارة الدفاع الامريكية «البنتاجون« لم تتسرب معلومات عنها الا منذ ايام فقط.
الذي حدث ان القادة العسكريين الامريكيين افزعتهم جدا ظاهرة العمليات الاستشهادية في افغانستان وفي العراق وحاروا في فهمها وتفسيرها. لهذا كلفوا وحدة مخابرات وابحاث خاصة في البنتاجون بدراسة هذه الظاهرة، وطلبوا منهم على وجه الخصوص الاجابة عن هذا السؤال: ما هي دوافع هؤلاء «الانتحاريين» بالضبط؟.. ما هي الاسباب التي تدفعهم إلى التضحية بأنفسهم في هذه العمليات «الانتحارية»؟ الوحدة الخاصة في البنتاجون اعدت بالفعل هذه الدراسة وجاءت تحت عنوان «دوافع الانتحاريين المسلمين».
والنتيجة التي توصلت اليها الدراسة في تفسير دوافع هؤلاء واسباب قيامهم بهذه العمليات تتلخص في كلمة واحدة هي «القرآن». ذكرت الدراسة ان هؤلاء «الانتحاريين» لا يفعلون سوى انهم ينفذون اوامر القرآن «الضيقة والمتطرفة». وتدلل على ذلك بإيراد آيات من القرآن تتعلق بالجهاد والشهادة والجنة. وتورد على وجه التحديد آيات من ست سور قرآنية، هي سور «البقرة» و« آل عمران» و«الانفال» و«التوبة» و«الرحمن» و«العصر». بالطبع لسنا بحاجة الى التنبيه الى معنى ان تصل دراسة البنتاجون الى نتيجة ان مشكلتهم الرئيسية هي مع القرآن. معناه ببساطة ان استهداف القرآن الكريم مباشرة ينبغي ان يكون توجها رسميا للإدارة الامريكية.
***
وماذا يريدون ايضا؟
اذا كان هذا هو الذي انتهوا اليه من ضرورة استهداف القرآن الكريم، فماذا يريدون ان يفعلوه عمليا بهذا الشأن؟ يهمني هنا ان انبه الى جوانب ثلاثة كبرى بصفة خاصة:
الجانب الأول:
هم يريدون بداية وقبل كل شيء ترسيخ اعتقاد عملي عام مؤداه انه ليست هناك اي محرمات في الاسلام فوق النقد او حتى الاساءة. بعبارة اوضح ترسيخ الاعتقاد بأنه لا الرسول ولا حتى القرآن فوق النقد.
هذه هي الفكرة الجوهرية التي تجمع بين الرسوم الكارتونية المسيئة للرسول الكريم، وبين ما قاله البابا في محاضرته، وبين تلك الكتابات التي اشرت اليها عن الاسلام والقرآن الكريم سواء بأقلام غربيين او عرب للأسف.
الجانب الثاني:
هم يحلمون كما رأينا بأن يكون هناك «قرآن جديد» او «قرآن حديث» او ايا كانت التسمية. وهنا، فانه بالاضافة الى الكتابات في الغرب عن القرآن التي تروج لهذه الفكرة والتي اشرت الى نماذج لها، لديهم فكرة جوهرية اخرى ترددت في ابحاث وكتابات اخرى. يقولون انه في المسيحية هناك عهد جديد وعهد قديم، فلماذا لا يكون في الاسلام قرآن جديد في مقابل «القرآن القديم»؟ لكنهم يعلمون ان اي محاولة من هذا القبيل، اي محاولة «اعداد قرآن جديد» ومع ان باحثين يعكفون عليها كما يقولون هي في نهاية المطاف مآلها الفشل، ولهذا فان ما يهمهم بالاساس هو ان يترسخ لدى المسلمين وبالتدريج اعتقاد بأن القرآن ليس فوق مستوى النقد والمراجعة وبأنه ليس من الضروري الاخذ بكل ما جاء في القرآن او الالتزام به. ان تحقق هذا الهدف فهو بالنسبة اليهم كاف جدا.
الجانب الثالث:
انه من اجل تحقيق هذه الغاية، يجندون كما رأينا مراكز ابحاث وكتابا في الغرب للترويج لهذه الافكار. لكن الاكثر اهمية بالنسبة إليهم هو ان يقوم كتاب عرب ومسلمون بفعل ذلك في الدول الاسلامية وفي منابرها الاعلامية والسياسية. اي يقومون بالتشكيك في القرآن الكريم واثارة الشبهات حوله. هم يريدون من هؤلاء الكتاب العرب ان يطرحوا افكارا تدور حول هذا المعنى باعتبارها ضرورة من ضرورات الاصلاح والتغيير في المجتمعات العربية والاسلامية. وللعلم، هم في امريكا انشأوا بالفعل عديدا من المواقع الاليكترونية لهذه الغاية بالذات يستكتبون فيها كتابا عربا يروجون لهذه الافكار على وجه التحديد ربما نعود الى هؤلاء وما يكتبونه في مقالات لاحقة.
***
حين اثير هذه القضية عزيزي القارئ.. قضية استهداف القرآن الكريم، فذلك ليس بدافع الخوف لا سمح الله على مصير كتاب الله وكلمته الى الخلق، فالله حافظ لكتابه، وهو محفوظ في قلوب وصدور المسلمين. لكننا نفعل ذلك على سبيل التنبيه والتحذير من مؤامرات خبيثة تستهدف قرآننا الكريم. نفعل هذا كي نكون على علم بما يفكرون فيه ويخططون له. هذا جانب، الجانب الآخر لأننا نتوقع ان الفترة القادمة سوف تشهد كتابات بأقلام عرب للأسف تساهم في هذه الحملة من قبيل ما كتبه محمد عابد الجابري. وها نحن قد نبهنا وحذرنا... اللهم فاشهد. يبقى ان هذا ليس سوى جانب واحد من جوانب الحرب على الاسلام. فما خفي كان اعظم.
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
يتبع منقول للفائدة ان شاء الله
السيد زهره
إنه القرآن.. اللهم فاشهد
* دراسة للبنتاجون: مشكلتنا الأساسية هي مع القرآن
* لمصلحة من يثير الجابري شبهات حول القرآن؟
* مجموعات سرية تقوم باعداد" قرآن حديث".
لعلك تذكر عزيزي القارئ انه سبق لي ان كتبت منذ نحو عام سلسلة من المقالات تحت عنوان «القرآن.. القرآن.. القرآن». كانت مناسبة كتابة هذه المقالات كتاب ظهر في الغرب يشكك في القرآن الكريم ويثير الشبهات حوله وحول مصداقيته، واحتفت بالكتاب في ذلك الوقت مجلة «نيوزويك» الامريكية الشهيرة احتفاء شديدا. في تلك المقالات حاولت ان اشرح بعضا من ابعاد الحملة في الغرب على القرآن الكريم ومحاولات التشكيك فيه بل وتغييره، والتي شارك فيها باحثون عرب قيل انهم يعكفون على تعديل القرآن.
في مقالات تالية، حاولت ان انبه الى هذه الحملة التي تستهدف القرآن الكريم، كان آخرها حين ناقشت ما وجهه بابا الفاتيكان من اساءات للإسلام، وكيف انه اراد فيما اراد حين شكك في القرآن ان يفتح حملة جديدة على كتاب الله.
اعود اليوم لإثارة القضية من جديد.. قضية استهداف القرآن الكريم. والمناسبة هذه المرة مقالان قرأتهما للمفكر المغربي المعروف محمد عابد الجابري صدمني ما قاله فيهما كما لابد انه صدم الكثيرين ممن قرأوهما ويتعرض فيهما للقرآن. رأيت من الواجب مناقشة القضية في اطار اشمل، اي في اطار الحرب المعلنة على الإسلام بصفة عامة محاولا في هذه السلسلة من المقالات شرح ابعادها المعلنة والخفية.
***
لماذا؟.. ولمصلحة من؟
نشرت صحيفة «الاتحاد» الإماراتية مؤخرا مقالين لمحمد عابد الجابري، واعادت نشرهما مواقع اليكترونية. المقال الاول بعنوان «ما قيل انه رفع او سقط من القرآن» والثاني بعنوان «المصادر الشيعية والزيادة والنقصان في القرآن». الذي يقوله الجابري في المقالين باختصار شديد هو ان القرآن وقع فيه تحرف ونقص. ويقول «جميع علماء الاسلام من مفسرين ورواة حديث يعترفون بأن هناك آيات وسورا قد سقطت او رفعت ولم تدرج في نص المصحف. واورد في مقاله الاول 13 رواية، وفي الثاني اقوالا لعلماء الشيعة، تؤكد ان القرآن وقع فيه نقص وتحرف». وفي نهاية مقاله الاول يقول: «يعلل علماء الاسلام من اهل السنة ظاهرة سقوط آيات من القرآن بكونها داخلة في معنى النسخ، غير ان علماء آخرين انكروا ان يكون ذلك من النسخ وقالوا ان ما ذكر من الزيادة والنقصان في القرآن يرجع الى خبر الاحاد، والقرآن لا يثبت به، وانما يثبت بالتواتر». الكل يعلم ان هذه القضية التي يتحدث فيها الجابري ليست قضية جديدة ابدا. هي مثارة منذ زمن طويل جدا وبتوسع اكبر بكثير مما طرحه.
ولست هنا بصدد الرد على ما قاله الجابري وان كنت ملما بأبعاد القضية. مهمة الرد نتركها لعلماء الدين الافاضل الذين هم اكثر قدرة على الحديث في هذه المسألة. لكنني اريد ان اناقش القضية من الجوانب التي افهم فيها، اي في ابعادها السياسية والاستراتيجية في اطار الحرب الضارية ضد الإسلام والعالم العربي والإسلامي. وأول ما تبادر الى ذهني حين قرأت المقالين هو هذا السؤال: لماذا يقول الجابري هذا الكلام الان؟.. لأي هدف بالضبط؟.. لمصلحة من اثارة الشبهات حول القرآن الكريم في هذا التوقيت بالذات؟ الجابري مفكر له اسهاماته المعروفة بغض النظر عن الاتفاق او الاختلاف حول قيمتها وجدواها. ولابد لهذا انه يعلم بالضرورة ما هي النتائج الفكرية والسياسية التي يمكن ان تترتب على اثارة مثل هذه الشبهات حول القرآن الكريم في هذا الوقت بالذات. ويصعب جدا ان نتصور انه كتب ما كتب على سبيل مجرد الاجتهاد او السهو او الخطأ غير المقصود.
بالنسبة لي، سواء قصد الجابري هذا ام لم يقصد، فان ما كتبه يندرج في نفس سياق حملة ضارية اكبر يشنونها في الغرب، وفي امريكا على وجه الخصوص، على الاسلام وعلى القرآن الكريم. وهذا ما اريد ان اوضح ابعاده في هذا الحديث.
***
لماذا يستهدفون القرآن؟
تقليديا، كانت الحملة على القرآن الكريم ومحاولات التشكيك فيه وفي كونه كلمة الله كان يشنها اساسا المسيحيون واليهود، ولأسباب دينية بالاساس، اي في اطار سعي اتباع الديانتين الى اثبات ان ديانتيهم هما الاصح. لكن الجديد في السنوات الماضية انه انضم الى هؤلاء في استهداف القرآن الكريم القوى الاستعمارية الجديدة في امريكا الساعية الى الهيمنة على مقدرات الدول العربية والإسلامية. والجديد ايضا ان استهداف الإسلام والقرآن الكريم اصبح جزءا لا يتجزأ من الاستراتيجية الرسمية للهيمنة التي تعتمدها قوة عظمى هي الولايات المتحدة الامريكية. كيف ولماذا؟ اعني كيف تطور التفكير الاستعماري الاستراتيجي الامريكي بحيث وصل الى النقطة التي وجد فيها ضرورة شن الحرب على الإسلام وعلى القرآن؟
القضية بالنسبة اليهم تطورت على النحو التالي:
أولا: منذ ان بدأت امريكا شن حملتها الاستعمارية الرامية الى الهيمنة على مقدرات العالم العربي والاسلامي، اكتشفت ان القوى التي تتحدى هذه الهيمنة فعليا وتقاومها عمليا هي في المقام الاول قوى اسلامية مرجعيتها اسلامية. من افغانستان الى العراق الى فلسطين الى لبنان، القوى الاسلامية هي التي تقاوم الاستعمار الامريكي والصهيوني وتنزل به الهزائم وتوجه اليه الضربات الموجعة. واكتشفت امريكا ان هذه القوى المقاومة يحركها بالذات مفاهيم الجهاد والاستعداد للتضحية دفاعا عن الدين وعن الاوطان.
ثانيا: في اطار هذه المقاومة الاسلامية، توقف الامريكيون بصفة خاصة امام ظاهرة اعتبروها مصدر خطر اساسي على مشروعهم الاستعماري، هي ظاهرة الاستشهاديين، الذين يطلقون عليهم الانتحاريين. اعتبروا ان هذه الظاهرة مصدر رعب شديد وخطر داهم لكل مشروعهم. كلفوا عشرات من مراكز الابحاث بدراسة الظاهرة، وبالذات من زاوية محددة.. ما الذي يدفع هؤلاء بالضبط الى التضحية بأرواحهم على هذا النحو؟
ثالثا: انه على مستوى الشعوب العربية والاسلامية بصفة عامة رصدوا حالة عامة من العداء والكراهية لأمريكا ولسياساتها. وايضا فسروا هذه الحالة بأسباب اسلامية، وبدليل الصعود الدائم للقوى الاسلامية في اي دولة تجري فيها انتخابات.
رابعا: بناء على ما سبق، توصلوا الى نتيجة نهائية مؤداها ان الخطر الذي يهدد مشروع الهيمنة الاستعمارية ليس خطرا نابعا من مجموعات اسلامية راديكالية او عنيفة او ارهابية ايا كانت التسمية، وانما الخطر ينبع من الاسلام ذاته كدين. وبالتالي، توصلوا الى نتيجة استراتيجية مؤداها ان الحرب الحقيقية التي يجب شنها اذا اريد لمشروع الهيمنة ان يتحقق ينبغي ان تكون حربا على الاسلام. بعبارة اخرى اعتبروا ان المعركة الحقيقية هي معركة تغيير الاسلام نفسه كدين وعلى تطويعه بحيث لا يصبح مصدرا لتهديد مشروع الهيمنة.
ولهذا في السنوات القليلة الماضية، اصبحنا نقرأ في التحليلات الاستراتيجية الامريكية باستمرار تعبيرات مثل «الاسلام الاصلاحي» او «الاسلام المعاصر» او «الاسلام المعولم» او «اسلام القرن الحادي والعشرين». وكلها تعني امرا واحدا ان الاسلام كدين يجب ان يتغير جذريا.
خامسا: في القلب من معركة تغيير الاسلام تأتي معركة القرآن بالنسبة اليهم.. كيف؟ معروفة الان خططهم وضغوطهم من اجل تعديل مناهج الدراسة والخطاب الاعلامي والديني في الدول العربية والاسلامية من اجل ما يسمونه الترويج لمفاهيم التسامح والذي يقصدون به في حقيقة الامر القضاء على قيم الجهاد والمقاومة. لكنهم توصلوا الى نتيجة جوهرية مؤداها ان كل هذا لا يكفي ولا يمكن ان يحقق الهدف النهائي المنشود. توصلوا الى نتيجة انه طالما ان القرآن هو بالنسبة إلى المسلمين كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل، فليس هناك امل لا في تغيير الاسلام، ولا في القضاء على قيم الجهاد والاستشهاد والمقاومة. هذه النتيجة كانت موضوعا لانشغال مراكز الابحاث الاستراتيجية في امريكا، بل وعلى مستوى الاستراتيجية الامريكية الرسمية. هكذا اذن، وباختصار شديد، تطور التفكير الاستراتيجي الامريكي حتى وصل الى ضرورة شن الحرب على الاسلام وعلى القرآن الكريم.
وهذا الذي قلته ليس مجرد تحليل او تقدير شخصي. هو محصلة القراءة والمتابعة الدقيقة للتفكير الاستراتيجي الامريكي في السنوات الماضية. وفيما يلي سأقدم بعضا من النماذج فقط لما يطرحونه في هذا الخصوص كي نعرف ماذا يريدون بالضبط.
***
ماذا يريدون؟
يصعب جدا حصر الدراسات والمقالات التي صدرت في امريكا والغرب عموما في السنين القليلة الماضية والتي تندرج في اطار الحرب المعلنة على القرآن الكريم. سأكتفي بعرض نماذج قليلة فقط تكفي لتبيان ما الذي يريدونه بالضبط من وراء حملتهم على كتاب الله.
الاب نيو هوس، احد المقربين جدا من زمرة المحافظين الجدد في امريكا، ويرأس تحرير مجلة يمينية. كتب يقول ان ازمة الغرب هي اساسا مع رسالة الاسلام ذاتها. وقال انه كي لا يصبح الاسلام تهديدا للعالم، فانه يجب ان يتخلى عن زعمه بأنه يمتلك الحقيقة، فهذا الزعم هو الذي يغذي المتطرفين والارهابيين ويشجعهم. يقصد هنا مباشرة انه طالما ظل المسلمون يعتقدون ان القرآن هو كلمة الله وان كل ما فيه حق، فان الاسلام سوف يظل يشكل تهديدا للعالم.
نفس الفكرة تبناها مركز ابحاث «امريكان انتربريز» في دراسة مطولة كتبها جيمس ويلسون تحت عنوان «الاصلاح الذي يحتاج إليه الاسلام». تعتبر الدراسة ان المشكلة في الاسلام، على عكس المسيحية، ان القرآن يضم عددا كبيرا من الاوامر والقوانين والتوجيهات التي تنظم كل شيء وتعتبر بالنسبة إلى المسلمين مقدسة لا يجوز المساس بها. وتذكر الدراسة ان مشكلة القرآن انه، مثل العهد القديم، من الصعب جدا تفسيره تفسيرا واحدا حاسما. وتزعم ان القرآن يضم كثيرا من الايات المتناقضة، وتضرب مثلا على ذلك بالاية التي تنص على انه «لا اكراه في الدين» وآيات اخرى تقول انها تناقضها. لنلاحظ ان نفس هذا المثال هو الذي استشهد به البابا بنديكت في محاضرته الشهيرة سيئة القصد والسمعة.
والخلاصة التي تنتهي اليها دراسة مركز الابحاث الامريكي هي انه لابد من «تحديث القرآن». وتشير هنا الى ان هناك باحثين يعكفون فعلا على مهمة «تحديث القرآن»، وان الفكرة الاساسية في هذا التحديث هو التأكيد على المقاصد العامة جدا في القرآن من دون التقيد بالضرورة بالاحكام «الضيقة» التي يتضمنها.
كاتب ومؤرخ آخر اسمه سبينجلر تعرض لنفس القضية في اكثر من مقال نشره. الافكار التي طرحها في مقالاته بهذا الخصوص تتلخص فيما يلي: طرح السؤال: كيف يمكن «اصلاح« الاسلام؟ واجاب بأنه في حالة المسيحية بدأ الاصلاح بالنص الديني، وان هذا هو ما يجب ان يحدث مع الاسلام. وبشكل اكثر صراحة قال: «في حالة الاسلام، يجب ان يبدأ الاصلاح من البحث واعادة النظر في النص القرآني نفسه». والمشكلة في رأيه انه بحسب العقيدة الاسلامية، فان القرآن منزل من الله، اوحى به جبريل لمحمد، وبالتالي فان اي نقد او مراجعة للنص القرآني هو امر محرم، فكيف يمكن انتقاد كلمة الله؟ ويذكر انه لهذا السبب فان عملية انتقاد النص القرآني اليوم هي عملية سرية يقوم بها مجموعات من الباحثين يدرسون مصادر بديلة مثل قرآن اليمن.
في رأي هذا الباحث ان الاسلام الراديكالي يواجه الغرب كله بالاعتقاد بأن الاسلام يمتلك الحقيقة المقدسة، وبالاستعداد للتضحية في سبيلها. ويعتبر ان انتقاد القرآن هو السبيل الاساسي لمواجهة هذا الاسلام المتطرف. يقول نصا: «انتقاد القرآن يمكن ان يكون هو الدودة التي تنخر اساس الاسلام الراديكالي». ولهذا، فهو يدعو الغرب الى تشجيع حملة انتقاد القرآن.
هذه كما اشرت مجرد نماذج قليلة جدا لما يطرحونه في امريكا والغرب بخصوص القرآن الكريم. وكما نرى، فانهم باختصار يعتبرون ان استهداف القرآن الكريم مباشرة، سواء بالدعوة لتعديله او بالتشكيك فيه واثارة الشبهات حوله، هو ضرورة اساسية لمواجهة ما يعتبرون انه خطر يمثله الاسلام على الغرب.
***
البنتاجون والقرآن
قد يقول البعض ان مثل هذه الكتابات في امريكا والغرب حول القرآن الكريم مجرد آراء لكتاب او باحثين في مراكز ابحاث تعبر عنهم فقط، ولا تمثل بالضرورة موقفا او توجها رسميا تتبناه الادارة الامريكية. لكن هذه ليست الحقيقة. سوف اناقش تفصيلا في المقالات التالية ابعاد الاستراتيجية الامريكية الرسمية في محاربة الاسلام. لكن يهمني الآن في السياق الذي نناقشه فيما يتعلق بالقرآن الكريم ان اشير الى دراسة رسمية لوزارة الدفاع الامريكية «البنتاجون« لم تتسرب معلومات عنها الا منذ ايام فقط.
الذي حدث ان القادة العسكريين الامريكيين افزعتهم جدا ظاهرة العمليات الاستشهادية في افغانستان وفي العراق وحاروا في فهمها وتفسيرها. لهذا كلفوا وحدة مخابرات وابحاث خاصة في البنتاجون بدراسة هذه الظاهرة، وطلبوا منهم على وجه الخصوص الاجابة عن هذا السؤال: ما هي دوافع هؤلاء «الانتحاريين» بالضبط؟.. ما هي الاسباب التي تدفعهم إلى التضحية بأنفسهم في هذه العمليات «الانتحارية»؟ الوحدة الخاصة في البنتاجون اعدت بالفعل هذه الدراسة وجاءت تحت عنوان «دوافع الانتحاريين المسلمين».
والنتيجة التي توصلت اليها الدراسة في تفسير دوافع هؤلاء واسباب قيامهم بهذه العمليات تتلخص في كلمة واحدة هي «القرآن». ذكرت الدراسة ان هؤلاء «الانتحاريين» لا يفعلون سوى انهم ينفذون اوامر القرآن «الضيقة والمتطرفة». وتدلل على ذلك بإيراد آيات من القرآن تتعلق بالجهاد والشهادة والجنة. وتورد على وجه التحديد آيات من ست سور قرآنية، هي سور «البقرة» و« آل عمران» و«الانفال» و«التوبة» و«الرحمن» و«العصر». بالطبع لسنا بحاجة الى التنبيه الى معنى ان تصل دراسة البنتاجون الى نتيجة ان مشكلتهم الرئيسية هي مع القرآن. معناه ببساطة ان استهداف القرآن الكريم مباشرة ينبغي ان يكون توجها رسميا للإدارة الامريكية.
***
وماذا يريدون ايضا؟
اذا كان هذا هو الذي انتهوا اليه من ضرورة استهداف القرآن الكريم، فماذا يريدون ان يفعلوه عمليا بهذا الشأن؟ يهمني هنا ان انبه الى جوانب ثلاثة كبرى بصفة خاصة:
الجانب الأول:
هم يريدون بداية وقبل كل شيء ترسيخ اعتقاد عملي عام مؤداه انه ليست هناك اي محرمات في الاسلام فوق النقد او حتى الاساءة. بعبارة اوضح ترسيخ الاعتقاد بأنه لا الرسول ولا حتى القرآن فوق النقد.
هذه هي الفكرة الجوهرية التي تجمع بين الرسوم الكارتونية المسيئة للرسول الكريم، وبين ما قاله البابا في محاضرته، وبين تلك الكتابات التي اشرت اليها عن الاسلام والقرآن الكريم سواء بأقلام غربيين او عرب للأسف.
الجانب الثاني:
هم يحلمون كما رأينا بأن يكون هناك «قرآن جديد» او «قرآن حديث» او ايا كانت التسمية. وهنا، فانه بالاضافة الى الكتابات في الغرب عن القرآن التي تروج لهذه الفكرة والتي اشرت الى نماذج لها، لديهم فكرة جوهرية اخرى ترددت في ابحاث وكتابات اخرى. يقولون انه في المسيحية هناك عهد جديد وعهد قديم، فلماذا لا يكون في الاسلام قرآن جديد في مقابل «القرآن القديم»؟ لكنهم يعلمون ان اي محاولة من هذا القبيل، اي محاولة «اعداد قرآن جديد» ومع ان باحثين يعكفون عليها كما يقولون هي في نهاية المطاف مآلها الفشل، ولهذا فان ما يهمهم بالاساس هو ان يترسخ لدى المسلمين وبالتدريج اعتقاد بأن القرآن ليس فوق مستوى النقد والمراجعة وبأنه ليس من الضروري الاخذ بكل ما جاء في القرآن او الالتزام به. ان تحقق هذا الهدف فهو بالنسبة اليهم كاف جدا.
الجانب الثالث:
انه من اجل تحقيق هذه الغاية، يجندون كما رأينا مراكز ابحاث وكتابا في الغرب للترويج لهذه الافكار. لكن الاكثر اهمية بالنسبة إليهم هو ان يقوم كتاب عرب ومسلمون بفعل ذلك في الدول الاسلامية وفي منابرها الاعلامية والسياسية. اي يقومون بالتشكيك في القرآن الكريم واثارة الشبهات حوله. هم يريدون من هؤلاء الكتاب العرب ان يطرحوا افكارا تدور حول هذا المعنى باعتبارها ضرورة من ضرورات الاصلاح والتغيير في المجتمعات العربية والاسلامية. وللعلم، هم في امريكا انشأوا بالفعل عديدا من المواقع الاليكترونية لهذه الغاية بالذات يستكتبون فيها كتابا عربا يروجون لهذه الافكار على وجه التحديد ربما نعود الى هؤلاء وما يكتبونه في مقالات لاحقة.
***
حين اثير هذه القضية عزيزي القارئ.. قضية استهداف القرآن الكريم، فذلك ليس بدافع الخوف لا سمح الله على مصير كتاب الله وكلمته الى الخلق، فالله حافظ لكتابه، وهو محفوظ في قلوب وصدور المسلمين. لكننا نفعل ذلك على سبيل التنبيه والتحذير من مؤامرات خبيثة تستهدف قرآننا الكريم. نفعل هذا كي نكون على علم بما يفكرون فيه ويخططون له. هذا جانب، الجانب الآخر لأننا نتوقع ان الفترة القادمة سوف تشهد كتابات بأقلام عرب للأسف تساهم في هذه الحملة من قبيل ما كتبه محمد عابد الجابري. وها نحن قد نبهنا وحذرنا... اللهم فاشهد. يبقى ان هذا ليس سوى جانب واحد من جوانب الحرب على الاسلام. فما خفي كان اعظم.
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
يتبع منقول للفائدة ان شاء الله