حاتم ناصر الشرباتي
26-10-2006, 06:27 PM
حذار من بذور شر المتفقهون والمتنطعون
إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ (12) لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ (20) سورة النور
جاء في تفسير الطبري:
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْر لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْم وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْره مِنْهُمْ لَهُمْ عَذَاب عَظِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْكَذِبِ وَالْبُهْتَان { عُصْبَة مِنْكُمْ } يَقُول : جَمَاعَة مِنْكُمْ أَيّهَا النَّاس . { لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْر لَكُمْ } يَقُول : لَا تَظُنُّوا مَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْإِفْك شَرًّا لَكُمْ عِنْد اللَّه وَعِنْد النَّاس , بَلْ ذَلِكَ خَيْر لَكُمْ عِنْده وَعِنْد الْمُؤْمِنِينَ ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه يَجْعَل ذَلِكَ كَفَّارَة لِلْمَرْمِيِّ بِهِ , وَيُظْهِر بَرَاءَته مِمَّا رُمِيَ بِهِ , وَيَجْعَل لَهُ مِنْهُ مَخْرَجًا . وَقِيلَ : إِنَّ الَّذِي عَنَى اللَّه بِقَوْلِهِ : { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ } : جَمَاعَة , مِنْهُمْ حَسَّان بْن ثَابِت , وَمِسْطَح بْن أُثَاثَة , وَحَمْنَة بِنْت جَحْش . كَمَا : 19548 - حَدَّثَنَا عَبْد الْوَارِث بْن عَبْد الصَّمَد , قَالَ : حدثنا أَبِي , قَالَ : حدثنا أَبَان الْعَطَّار , قَالَ : حدثنا هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ عُرْوَة : أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان : كَتَبْت إِلَيَّ تَسْأَلنِي فِي الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ , وَهُمْ كَمَا قَالَ اللَّه : { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ } وَأَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ مِنْهُمْ أَحَد إِلَّا حَسَّان بْن ثَابِت , وَمِسْطَح بْن أُثَاثَة , وَحَمْنَة بِنْت جَحْش , وَهُوَ يُقَال فِي آخَرِينَ لَا عِلْم لِي بِهِمْ ; غَيْر أَنَّهُمْ عُصْبَة كَمَا قَالَ اللَّه . 19549 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حدثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ } هُمْ أَصْحَاب عَائِشَة . قَالَ ابْن جُرَيْج : قَالَ ابْن عَبَّاس : قَوْله : { جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ } . .. الْآيَة , الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلَى عَائِشَة : عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْره , وَحَسَّان بْن ثَابِت , وَمِسْطَح , وَحَمْنَة بِنْت جَحْش .
19550 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ } الَّذِينَ قَالُوا لِعَائِشَة الْإِفْك وَالْبُهْتَان . 19551 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْر لَكُمْ } قَالَ : الشَّرّ لَكُمْ بِالْإِفْكِ الَّذِي قَالُوا , الَّذِي تَكَلَّمُوا بِهِ , كَانَ شَرًّا لَهُمْ , وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَقُلْهُ إِنَّمَا سَمِعَهُ , فَعَاتَبَهُمْ اللَّه , فَقَالَ أَوَّل شَيْء : { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْر لَكُمْ } ثُمَّ قَالَ : { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْره مِنْهُمْ لَهُ عَذَاب عَظِيم } . وَقَوْله : { لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْم } يَقُول : لِكُلِّ امْرِئٍ مِنَ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ جَزَاء مَا اجْتَرَمَ مِنَ الْإِثْم , بِمَجِيئِهِ بِمَا جَاءَ بِهِ , مِنَ الْأُولَى عَبْد اللَّه . وَقَوْله : { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْره مِنْهُمْ } يَقُول : وَالَّذِي تَحَمَّلَ مُعْظَم ذَلِكَ الْإِثْم وَالْإِفْك مِنْهُمْ هُوَ الَّذِي بَدَأَ بِالْخَوْضِ فِيهِ . كَمَا : 19552 - حَدَّثَنَا عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْره مِنْهُمْ } يَقُول : الَّذِي بَدَأَ بِذَلِكَ . 19553 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : حدثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حدثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : حدثنا الْحَسَن , قَالَ : حدثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { عُصْبَة مِنْكُمْ } قَالَ : أَصْحَاب عَائِشَة ; عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ ابْن سَلُول , وَمِسْطَح , وَحَسَّان . قَالَ أَبُو جَعْفَر : لَهُ مِنَ اللَّه عَذَاب عَظِيم يَوْم الْقِيَامَة .
والإفك هو الكذب، وهو بهتان عظيم، وبه نقل للأخبار بصورة كاذبة، وبه تشويه للحقائق ودس بين، وإيقاع لبذور الشر والإفساد في القوم والجماعة، فهو في جوهره وفساد وإفساد. لقد كان الإفك في مجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم تناول أهل بيته وإحدى أشهر أمهات المسلمين، أي أنّه استهدف الطهر والعفاف وبيت التقوى وقمة المجتمع بيت رسول الله حاكم المسلمين وقائده، ومن قام به كان من صفوة المجتمع ومن البرازين فيه وليس من المغمورين والمجهولين.
لقد كان الإفك بذر لدواعي الفساد والإفساد في المجتمع وتنظير على الصفوة فيه حسداً وغيرةً وعجزاً عن الوصول لما وصلوا إليه، والقائم على التنظير في المجتمع يكون في الأعم الأغلب قوم منه وصلوا بليل لمراتب في المجتمع ليسوا على مستواها ولا أهلاً لها. وقدمهم المجتمع كقادة ومتنفذين أو أشباه قادة ومتنفذين، فأسند لهم المناصب للعمل، وقدمهم للناس على تلك الصفة، فرأوا في أنفسهم الكبر، وظنوا في أنفسهم أنهم الرواد والقاده وأنهم يجب أن يأمروا فيطاعوا ويقدموا في المجتمع دون خلق الله تعالى، فما رأوا تحركاً صادقاً في المجتمع إلا وقاوموه خوفاً وظناً منهم أنه يستهدف مراكزهم ومناصبهم، فقاوموا بذور الخير القائم فيها غيرهم وجرحوه وسفوه وسفهوا من قام عليه، ووصموهم بكل الصفات القبيحة.
هؤلاء المنظرون المفسدون هم المتنطعون المتفيهقون المغرورون، إنهم عنوان ومظهر الطبقية البغيضة في المجتمع، بل بذرة الشر والكابوس القاتل المستهدف كل خير في المجتمع، بهدف حصر الرياسة والريادة في طبقتهم الساعية للسيطرة والتسلط على المجتمع، وإبعاد كل من لا يدخل في طبقيتهم وحاشيتهم والولاء لهم ولو كان مخلصاً تقياً. أنهم موجودون في المجتمع وكل مجتمع منذ خلق الله الأرض ومن عليها، فهوس الزعامة والأثرة من مكنون النفوس الشريرة العديمة التقوى والموغلة في الكبر والرياء وزعامة الجاه.
هم موجودون في المجتمع، وفي أجهزة الدولة وفي داخل التكتلات والأحزاب.
في البيت تحرص الزوجة على نيل الحظوة والإيثار لدى الزوج فتحاول أن تفسد علاقته بزوجاته الأخريات بالإيقاع والإفساد والإفك وكل الوسائل الشيطانية. وفي الشركة يسعى الموظف على إيغار صدر مديره على زملائه مسفهاً كل عمل جيد عملوه لينال الحظوة لدى المدير من دون زملائه، وفي الدائرة والوظيفة ومجلس المنطقة ومجلس العائلة، وهكذا.
وأخطر أنواع بذور الطبقية البغيضة هذه يكون في التكتلات السياسية والأحزاب المستهدفة التغيير والإصلاح، فيدخل في قياداتها أو في مراكزها رجال ليسوا على المستوى اللازم، فيقدموا في المجتمع كقادة أو زعماء للتكتل والحزب، يقولون باسم التكتل ويصرحون باسمه، ويظهرون في المناسبات العامة بتلك الصفة، ويخص التكتل هؤلاء الفارهون دون غيرهم بذلك، فإن تقدم غيرهم بعمل جيد يخدم قضية التكتل، انبرى هؤلاء لتسفيه العمل وتسفيه من قام به، بهدف الإبقاء على سيطرتهم المنفردة واستئثارهم بالمراكز، وخوفاً أن لا ينافسهم هؤلاء في ذلك، أو ظناً منهم أنه لا يستطيع القيام بالعمل إلا هم وطبقتهم حيث بلغ بهم الرياء مبلغه.
لذا وجب على كل من له مركز في مجتمع أو شركة تجارية أو مؤسسة أو تكتل أو حزب أو أي من مجالس المجتمع أن ينتبهوا لبذرة الفساد المتمثلة بالطبقية وشبيهاتها ويحولوا دون وجودها أو أن تستشري في جسم مؤسساتهم أو أحزابهم فتنخر فيه وتكون ورماً خبيثاً قاتلاً يجب القضاء عليه.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ مِسْعَرٍ قَالَ أَخْرَجَ إِلَيَّ مَعْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِتَابًا فَحَلَفَ لِي بِاللَّهِ إِنَّهُ خَطُّ أَبِيهِ فَإِذَا فِيهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشَدَّ عَلَى الْمُتَنَطِّعِينَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَإِنِّي لَأَرَى عُمَرَ كَانَ أَشَدَّ خَوْفًا عَلَيْهِمْ أَوْ لَهُمْ
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص بن غياث ويحيى بن سعيد عن ابن جريج عن سليمان بن عتيق عن طلق بن حبيب عن الأحنف بن قيس عن عبد الله قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هلك المتنطعون قالها ثلاثا
إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ (12) لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ (20) سورة النور
جاء في تفسير الطبري:
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْر لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْم وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْره مِنْهُمْ لَهُمْ عَذَاب عَظِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْكَذِبِ وَالْبُهْتَان { عُصْبَة مِنْكُمْ } يَقُول : جَمَاعَة مِنْكُمْ أَيّهَا النَّاس . { لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْر لَكُمْ } يَقُول : لَا تَظُنُّوا مَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْإِفْك شَرًّا لَكُمْ عِنْد اللَّه وَعِنْد النَّاس , بَلْ ذَلِكَ خَيْر لَكُمْ عِنْده وَعِنْد الْمُؤْمِنِينَ ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه يَجْعَل ذَلِكَ كَفَّارَة لِلْمَرْمِيِّ بِهِ , وَيُظْهِر بَرَاءَته مِمَّا رُمِيَ بِهِ , وَيَجْعَل لَهُ مِنْهُ مَخْرَجًا . وَقِيلَ : إِنَّ الَّذِي عَنَى اللَّه بِقَوْلِهِ : { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ } : جَمَاعَة , مِنْهُمْ حَسَّان بْن ثَابِت , وَمِسْطَح بْن أُثَاثَة , وَحَمْنَة بِنْت جَحْش . كَمَا : 19548 - حَدَّثَنَا عَبْد الْوَارِث بْن عَبْد الصَّمَد , قَالَ : حدثنا أَبِي , قَالَ : حدثنا أَبَان الْعَطَّار , قَالَ : حدثنا هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ عُرْوَة : أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان : كَتَبْت إِلَيَّ تَسْأَلنِي فِي الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ , وَهُمْ كَمَا قَالَ اللَّه : { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ } وَأَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ مِنْهُمْ أَحَد إِلَّا حَسَّان بْن ثَابِت , وَمِسْطَح بْن أُثَاثَة , وَحَمْنَة بِنْت جَحْش , وَهُوَ يُقَال فِي آخَرِينَ لَا عِلْم لِي بِهِمْ ; غَيْر أَنَّهُمْ عُصْبَة كَمَا قَالَ اللَّه . 19549 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حدثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ } هُمْ أَصْحَاب عَائِشَة . قَالَ ابْن جُرَيْج : قَالَ ابْن عَبَّاس : قَوْله : { جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ } . .. الْآيَة , الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلَى عَائِشَة : عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْره , وَحَسَّان بْن ثَابِت , وَمِسْطَح , وَحَمْنَة بِنْت جَحْش .
19550 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ } الَّذِينَ قَالُوا لِعَائِشَة الْإِفْك وَالْبُهْتَان . 19551 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْر لَكُمْ } قَالَ : الشَّرّ لَكُمْ بِالْإِفْكِ الَّذِي قَالُوا , الَّذِي تَكَلَّمُوا بِهِ , كَانَ شَرًّا لَهُمْ , وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَقُلْهُ إِنَّمَا سَمِعَهُ , فَعَاتَبَهُمْ اللَّه , فَقَالَ أَوَّل شَيْء : { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْر لَكُمْ } ثُمَّ قَالَ : { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْره مِنْهُمْ لَهُ عَذَاب عَظِيم } . وَقَوْله : { لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْم } يَقُول : لِكُلِّ امْرِئٍ مِنَ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ جَزَاء مَا اجْتَرَمَ مِنَ الْإِثْم , بِمَجِيئِهِ بِمَا جَاءَ بِهِ , مِنَ الْأُولَى عَبْد اللَّه . وَقَوْله : { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْره مِنْهُمْ } يَقُول : وَالَّذِي تَحَمَّلَ مُعْظَم ذَلِكَ الْإِثْم وَالْإِفْك مِنْهُمْ هُوَ الَّذِي بَدَأَ بِالْخَوْضِ فِيهِ . كَمَا : 19552 - حَدَّثَنَا عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْره مِنْهُمْ } يَقُول : الَّذِي بَدَأَ بِذَلِكَ . 19553 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : حدثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حدثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : حدثنا الْحَسَن , قَالَ : حدثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { عُصْبَة مِنْكُمْ } قَالَ : أَصْحَاب عَائِشَة ; عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ ابْن سَلُول , وَمِسْطَح , وَحَسَّان . قَالَ أَبُو جَعْفَر : لَهُ مِنَ اللَّه عَذَاب عَظِيم يَوْم الْقِيَامَة .
والإفك هو الكذب، وهو بهتان عظيم، وبه نقل للأخبار بصورة كاذبة، وبه تشويه للحقائق ودس بين، وإيقاع لبذور الشر والإفساد في القوم والجماعة، فهو في جوهره وفساد وإفساد. لقد كان الإفك في مجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم تناول أهل بيته وإحدى أشهر أمهات المسلمين، أي أنّه استهدف الطهر والعفاف وبيت التقوى وقمة المجتمع بيت رسول الله حاكم المسلمين وقائده، ومن قام به كان من صفوة المجتمع ومن البرازين فيه وليس من المغمورين والمجهولين.
لقد كان الإفك بذر لدواعي الفساد والإفساد في المجتمع وتنظير على الصفوة فيه حسداً وغيرةً وعجزاً عن الوصول لما وصلوا إليه، والقائم على التنظير في المجتمع يكون في الأعم الأغلب قوم منه وصلوا بليل لمراتب في المجتمع ليسوا على مستواها ولا أهلاً لها. وقدمهم المجتمع كقادة ومتنفذين أو أشباه قادة ومتنفذين، فأسند لهم المناصب للعمل، وقدمهم للناس على تلك الصفة، فرأوا في أنفسهم الكبر، وظنوا في أنفسهم أنهم الرواد والقاده وأنهم يجب أن يأمروا فيطاعوا ويقدموا في المجتمع دون خلق الله تعالى، فما رأوا تحركاً صادقاً في المجتمع إلا وقاوموه خوفاً وظناً منهم أنه يستهدف مراكزهم ومناصبهم، فقاوموا بذور الخير القائم فيها غيرهم وجرحوه وسفوه وسفهوا من قام عليه، ووصموهم بكل الصفات القبيحة.
هؤلاء المنظرون المفسدون هم المتنطعون المتفيهقون المغرورون، إنهم عنوان ومظهر الطبقية البغيضة في المجتمع، بل بذرة الشر والكابوس القاتل المستهدف كل خير في المجتمع، بهدف حصر الرياسة والريادة في طبقتهم الساعية للسيطرة والتسلط على المجتمع، وإبعاد كل من لا يدخل في طبقيتهم وحاشيتهم والولاء لهم ولو كان مخلصاً تقياً. أنهم موجودون في المجتمع وكل مجتمع منذ خلق الله الأرض ومن عليها، فهوس الزعامة والأثرة من مكنون النفوس الشريرة العديمة التقوى والموغلة في الكبر والرياء وزعامة الجاه.
هم موجودون في المجتمع، وفي أجهزة الدولة وفي داخل التكتلات والأحزاب.
في البيت تحرص الزوجة على نيل الحظوة والإيثار لدى الزوج فتحاول أن تفسد علاقته بزوجاته الأخريات بالإيقاع والإفساد والإفك وكل الوسائل الشيطانية. وفي الشركة يسعى الموظف على إيغار صدر مديره على زملائه مسفهاً كل عمل جيد عملوه لينال الحظوة لدى المدير من دون زملائه، وفي الدائرة والوظيفة ومجلس المنطقة ومجلس العائلة، وهكذا.
وأخطر أنواع بذور الطبقية البغيضة هذه يكون في التكتلات السياسية والأحزاب المستهدفة التغيير والإصلاح، فيدخل في قياداتها أو في مراكزها رجال ليسوا على المستوى اللازم، فيقدموا في المجتمع كقادة أو زعماء للتكتل والحزب، يقولون باسم التكتل ويصرحون باسمه، ويظهرون في المناسبات العامة بتلك الصفة، ويخص التكتل هؤلاء الفارهون دون غيرهم بذلك، فإن تقدم غيرهم بعمل جيد يخدم قضية التكتل، انبرى هؤلاء لتسفيه العمل وتسفيه من قام به، بهدف الإبقاء على سيطرتهم المنفردة واستئثارهم بالمراكز، وخوفاً أن لا ينافسهم هؤلاء في ذلك، أو ظناً منهم أنه لا يستطيع القيام بالعمل إلا هم وطبقتهم حيث بلغ بهم الرياء مبلغه.
لذا وجب على كل من له مركز في مجتمع أو شركة تجارية أو مؤسسة أو تكتل أو حزب أو أي من مجالس المجتمع أن ينتبهوا لبذرة الفساد المتمثلة بالطبقية وشبيهاتها ويحولوا دون وجودها أو أن تستشري في جسم مؤسساتهم أو أحزابهم فتنخر فيه وتكون ورماً خبيثاً قاتلاً يجب القضاء عليه.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ مِسْعَرٍ قَالَ أَخْرَجَ إِلَيَّ مَعْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِتَابًا فَحَلَفَ لِي بِاللَّهِ إِنَّهُ خَطُّ أَبِيهِ فَإِذَا فِيهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشَدَّ عَلَى الْمُتَنَطِّعِينَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَإِنِّي لَأَرَى عُمَرَ كَانَ أَشَدَّ خَوْفًا عَلَيْهِمْ أَوْ لَهُمْ
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص بن غياث ويحيى بن سعيد عن ابن جريج عن سليمان بن عتيق عن طلق بن حبيب عن الأحنف بن قيس عن عبد الله قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هلك المتنطعون قالها ثلاثا