yoseflyl
03-10-2006, 02:05 AM
يكاد حزنها يضيء
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
عندما لبست تلك العجوز الفلسطينية جرزتها الشتوية، وتوجهت في ذلك الصباح نحو بستانها المسالم كشفة رضيع، كانت تنوي أن تقطف حبات عرقها من أغصان صبرها، لم تكن تعرف بأن صورتها ستحتل عشرات الصحف العربية، وأن هناك ثمة كاميرا تتربص بحزنها ونحيبها على تعب السنين..لم تكن تعرف أن أشجارها الحبلى بالبركة ستجهض في اللحظة الأخيرة، وتضيع طقوس ولادة المحصول، وتتحول في ثوان الى حفل تأبين لها ولشجيرات ولدن قسرا من بطن الاغتصاب.
بقيت صورة تلك السيدة على طاولتي أياما.. فكلما حاولت أن أطوي تلك الجريدة وأتناسى، سالت من بين أصابعي دموع مرة ورائحة زيت لم ينضج بعد .فأعود وأفتح الصحيفة من جديد لأدقق أكثر بما لم تلتقطه الصورة . سيدة سجدت قرب جذع زيتونة تعرت من كل شيء الا من اسمها، تعانقها عناق البشر للبشر عناق الأم للوليد، بينما شالها الأبيض الطويل يشبه خارطة فلسطين، طويل وحزين كان شالها،والأغصان التي قطعتها آلة الاحتلال، لا زالت تتحرك كالعضو المبتور، بعض السحاب الذي شهد الجريمة وقتها لا زال يظهر في الصورة، تماما ككل الذين يشاهدون الجنائز تمر من أمام حوانيتهم ولا يأبهون بها، لم يكن أحد في المشهد سوى عجوز يكاد حزنها يضيء، وشجرة اغتيلت للتو، وسحاب، وسيارة «جيب» يجلس فيها جندي يراقب الساعة لينهي دوريته.
أحد لا يعرف قيمة الأرض الا من غمست يداه بالأرض، ونبتت على شفته عشبة برية، وزقزق عصفور على جفنه، أحد لا يعرف معنى الوطن الا من فقد الوطن، وعجزت كل بلاد الدنيا عن إشباعه من رضعة التراب، الوطن ليس معجونا يشكل بين يدي الأطفال أو رايات ترسم بالتلوين الخشبي على الدفاتر..الوطن أن يتحول جلدك الى لحاء، وقلبك الى عصفور دويري لا يعرف الحدود، الوطن أن تتحول أصابعك الى خناجر من دم ولحم تخترق الحديد المصفح، وجنازير الاتفاقات...
انهضي سيدتي على قوائم أوجاعك، واعجني تراب حلمك بماء صبرك..كم ستتسع المقابر والبساتين والزنازين من بشر وشجر ؟.. لا بد أنها ستنبت شهداءها من جديد، وستهز جذع التاريخ عند مخاضها الوطني.صدقيني يا خالة هذا الزيتون سيكبر من جديد وسيمحو طريق «الجيبات»، وسيحلل كل الأساطير المقدسة بكيمياء الوقت...
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
عندما لبست تلك العجوز الفلسطينية جرزتها الشتوية، وتوجهت في ذلك الصباح نحو بستانها المسالم كشفة رضيع، كانت تنوي أن تقطف حبات عرقها من أغصان صبرها، لم تكن تعرف بأن صورتها ستحتل عشرات الصحف العربية، وأن هناك ثمة كاميرا تتربص بحزنها ونحيبها على تعب السنين..لم تكن تعرف أن أشجارها الحبلى بالبركة ستجهض في اللحظة الأخيرة، وتضيع طقوس ولادة المحصول، وتتحول في ثوان الى حفل تأبين لها ولشجيرات ولدن قسرا من بطن الاغتصاب.
بقيت صورة تلك السيدة على طاولتي أياما.. فكلما حاولت أن أطوي تلك الجريدة وأتناسى، سالت من بين أصابعي دموع مرة ورائحة زيت لم ينضج بعد .فأعود وأفتح الصحيفة من جديد لأدقق أكثر بما لم تلتقطه الصورة . سيدة سجدت قرب جذع زيتونة تعرت من كل شيء الا من اسمها، تعانقها عناق البشر للبشر عناق الأم للوليد، بينما شالها الأبيض الطويل يشبه خارطة فلسطين، طويل وحزين كان شالها،والأغصان التي قطعتها آلة الاحتلال، لا زالت تتحرك كالعضو المبتور، بعض السحاب الذي شهد الجريمة وقتها لا زال يظهر في الصورة، تماما ككل الذين يشاهدون الجنائز تمر من أمام حوانيتهم ولا يأبهون بها، لم يكن أحد في المشهد سوى عجوز يكاد حزنها يضيء، وشجرة اغتيلت للتو، وسحاب، وسيارة «جيب» يجلس فيها جندي يراقب الساعة لينهي دوريته.
أحد لا يعرف قيمة الأرض الا من غمست يداه بالأرض، ونبتت على شفته عشبة برية، وزقزق عصفور على جفنه، أحد لا يعرف معنى الوطن الا من فقد الوطن، وعجزت كل بلاد الدنيا عن إشباعه من رضعة التراب، الوطن ليس معجونا يشكل بين يدي الأطفال أو رايات ترسم بالتلوين الخشبي على الدفاتر..الوطن أن يتحول جلدك الى لحاء، وقلبك الى عصفور دويري لا يعرف الحدود، الوطن أن تتحول أصابعك الى خناجر من دم ولحم تخترق الحديد المصفح، وجنازير الاتفاقات...
انهضي سيدتي على قوائم أوجاعك، واعجني تراب حلمك بماء صبرك..كم ستتسع المقابر والبساتين والزنازين من بشر وشجر ؟.. لا بد أنها ستنبت شهداءها من جديد، وستهز جذع التاريخ عند مخاضها الوطني.صدقيني يا خالة هذا الزيتون سيكبر من جديد وسيمحو طريق «الجيبات»، وسيحلل كل الأساطير المقدسة بكيمياء الوقت...