الفارسة جنين قدورة
30-10-2005, 10:10 PM
نجيب ال?يلاني
منذ سنوات بعيدة كنت أعمل طبيباً في إحدى القرى النائية، والحياة في القرى ليست حياة شاعرية هانئة دائماً كما يصورها بعض الشعراء، صحيح أن الأشجار الخضراء، والحقول الجميلة، والسماء الزرقاء الصافية، والبساطة الواضحة والقناعة والصبر، والرضا بما قسم الله، كلها تشكل لوناً من الحياة بعيداً عن التعقيد والضوضاء والصراع القاسي، وفي أحد الأيام تغير كل شيء، تحول الهدوء إلى عواصف ثائرة، وأصبحت جنة الأمن جحيماً من الخوف والشك، وكاد دولاب العمل أن يتوقف ...
لقد حدث خلاف في ((سوق القرية)) بين أحد التجار من قريتنا وعميل له من قرية مجاورة وتبودلت الاتهامات ثم الشتائم، وتحول سوق القرية في دقائق إلى معركة دامية، سقط على أثرها قتيلان من القرية المجاورة .. بالإضافة إلى عدد آخر من الجرحى .. وكان هذا بداية صراع عنيف بين القريتين .. والغريب في الأمر أن مصالح القريتين متشابكة، وأواصر القربى والمصاهرة تربط بينهما، بل أن مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية التي تملكها قريتنا، تقع في زمام القرية المجاورة .. وبات واضحاً أن تلك القرية تريد أن تثأر لقتيليها. والثأر هناك شرف وكرامة، ويا ويل من يفرط في ثأره عندهم ...
إنه لا يستحق الاحترام .. بل حرام عليه أن يعيش، ويلتقي مع الناس .. وقررت القرية المصابة أن تقتل أي وافد من القرية المعتدية مهما كانت مكانته .. لابد أن يقتلوا إثنين .. أي إثنين .. وهكذا توتر الموقف، ولم يعد في إمكان المزارعين الذهاب إلى حقولهم هناك، كما أصبح متعذراً السفر إلى المدينة، لأن طريق المسافرين يمر بالقرية المنكوبة ..
وكان ليل الصيف الهادئ تقطع سكونه طلقات الرصاص المنذرة المتوعدة، كما أن رسائل التهديد تتبادل بين الجانبين ..
كنت أجلس في ((الوحدة الصحية)) التي أعمل بها أرقب الأحداث في قلق، وأفكر في طريقة لحسم هذا النزاع المخيف الذي ينذر بمزيد من الدماء والحرائق والدمار .. وكان قلقي يزداد كلما تذكرت أن ((العيادة)) تقع بين القريتين .. بين شقي الرحى .. وأنها في العادة تستقبل المرضى من هنا وهناك .. إنه وضع شائك لا شك ..
وفي إحدى الأمسيات التي لا أنساها حدث أمر محير .. كانت ليلة من ليالي أواخر الشهر العربي .. ليلة بلا قمر .. وكنت جالساً أمعن النظر في النجوم، وأستمتع بالهدوء والهواء العليل .. أمام مسكني داخل الوحدة الصحية .. وانشق الظلام فجأة عن أربعة من الرجال يحملون السلاح ..
نظرت إليهم، فلم أستطع النهوض من مقعدي .. ودق قلبي في خوف .. وسال عرقي غزيراً .. لم أكن أدري ماذا أفعل .. إنهم من سكان القرية المصابة .. فكرت بسرعة .. لقد قدموا للأخذ بالثأر .. وأنا واحد من أهل القرية المعتدية .. وأسرتي منهم .. لقد فكروا في صيد سهل ثمين فلم يجدوا أحداً سواي .. أخذت أعض بنان الندم .. لكن ماذا يجدي الندم؟؟ كان يجب ألا أبقى هكذا وحيداً في هذا الوقت من الليل، وخاصة أن الوحدة الصحية تحيط بها أعواد الذرة العالية فتشكل ما يشبه الغابة القاتمة الضخمة تحت ستار الليل المدلهم .. أأصرخ؟؟ أأستغيث بالحارس المسلح؟؟ هراء!! إن البنادق في أيديهم .. وطلقة واحدة سوف تخرس صوتي إلى الأبد لكني دون وعي مني هتفت بأعلى صوتي منادياً الحارس!
ـ ((عبدالواحد .. يا عبدالواحد .. )).
لكن رجلاً منهم قدم نحوي في هدوء وربت على كتفي في حنان وهو يقول في نبرة صدق لا تخفى على مَن عاشر هؤلاء الناس:
ـ ((لا تخف يا دكتور .. نحن لا نؤذي مَن يخفف عنا الآلام، ويشفي الجراح .. أنت بالذات لا دخل لك فيما حدث .. أنت منا ونحن منك .. )).
قلت وجسدي كله يرتجف:
ـ ((ماذا تريدون إذن))؟
لنا تتمة
تمَ النقل من قبلي ( نديم العمر )
منذ سنوات بعيدة كنت أعمل طبيباً في إحدى القرى النائية، والحياة في القرى ليست حياة شاعرية هانئة دائماً كما يصورها بعض الشعراء، صحيح أن الأشجار الخضراء، والحقول الجميلة، والسماء الزرقاء الصافية، والبساطة الواضحة والقناعة والصبر، والرضا بما قسم الله، كلها تشكل لوناً من الحياة بعيداً عن التعقيد والضوضاء والصراع القاسي، وفي أحد الأيام تغير كل شيء، تحول الهدوء إلى عواصف ثائرة، وأصبحت جنة الأمن جحيماً من الخوف والشك، وكاد دولاب العمل أن يتوقف ...
لقد حدث خلاف في ((سوق القرية)) بين أحد التجار من قريتنا وعميل له من قرية مجاورة وتبودلت الاتهامات ثم الشتائم، وتحول سوق القرية في دقائق إلى معركة دامية، سقط على أثرها قتيلان من القرية المجاورة .. بالإضافة إلى عدد آخر من الجرحى .. وكان هذا بداية صراع عنيف بين القريتين .. والغريب في الأمر أن مصالح القريتين متشابكة، وأواصر القربى والمصاهرة تربط بينهما، بل أن مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية التي تملكها قريتنا، تقع في زمام القرية المجاورة .. وبات واضحاً أن تلك القرية تريد أن تثأر لقتيليها. والثأر هناك شرف وكرامة، ويا ويل من يفرط في ثأره عندهم ...
إنه لا يستحق الاحترام .. بل حرام عليه أن يعيش، ويلتقي مع الناس .. وقررت القرية المصابة أن تقتل أي وافد من القرية المعتدية مهما كانت مكانته .. لابد أن يقتلوا إثنين .. أي إثنين .. وهكذا توتر الموقف، ولم يعد في إمكان المزارعين الذهاب إلى حقولهم هناك، كما أصبح متعذراً السفر إلى المدينة، لأن طريق المسافرين يمر بالقرية المنكوبة ..
وكان ليل الصيف الهادئ تقطع سكونه طلقات الرصاص المنذرة المتوعدة، كما أن رسائل التهديد تتبادل بين الجانبين ..
كنت أجلس في ((الوحدة الصحية)) التي أعمل بها أرقب الأحداث في قلق، وأفكر في طريقة لحسم هذا النزاع المخيف الذي ينذر بمزيد من الدماء والحرائق والدمار .. وكان قلقي يزداد كلما تذكرت أن ((العيادة)) تقع بين القريتين .. بين شقي الرحى .. وأنها في العادة تستقبل المرضى من هنا وهناك .. إنه وضع شائك لا شك ..
وفي إحدى الأمسيات التي لا أنساها حدث أمر محير .. كانت ليلة من ليالي أواخر الشهر العربي .. ليلة بلا قمر .. وكنت جالساً أمعن النظر في النجوم، وأستمتع بالهدوء والهواء العليل .. أمام مسكني داخل الوحدة الصحية .. وانشق الظلام فجأة عن أربعة من الرجال يحملون السلاح ..
نظرت إليهم، فلم أستطع النهوض من مقعدي .. ودق قلبي في خوف .. وسال عرقي غزيراً .. لم أكن أدري ماذا أفعل .. إنهم من سكان القرية المصابة .. فكرت بسرعة .. لقد قدموا للأخذ بالثأر .. وأنا واحد من أهل القرية المعتدية .. وأسرتي منهم .. لقد فكروا في صيد سهل ثمين فلم يجدوا أحداً سواي .. أخذت أعض بنان الندم .. لكن ماذا يجدي الندم؟؟ كان يجب ألا أبقى هكذا وحيداً في هذا الوقت من الليل، وخاصة أن الوحدة الصحية تحيط بها أعواد الذرة العالية فتشكل ما يشبه الغابة القاتمة الضخمة تحت ستار الليل المدلهم .. أأصرخ؟؟ أأستغيث بالحارس المسلح؟؟ هراء!! إن البنادق في أيديهم .. وطلقة واحدة سوف تخرس صوتي إلى الأبد لكني دون وعي مني هتفت بأعلى صوتي منادياً الحارس!
ـ ((عبدالواحد .. يا عبدالواحد .. )).
لكن رجلاً منهم قدم نحوي في هدوء وربت على كتفي في حنان وهو يقول في نبرة صدق لا تخفى على مَن عاشر هؤلاء الناس:
ـ ((لا تخف يا دكتور .. نحن لا نؤذي مَن يخفف عنا الآلام، ويشفي الجراح .. أنت بالذات لا دخل لك فيما حدث .. أنت منا ونحن منك .. )).
قلت وجسدي كله يرتجف:
ـ ((ماذا تريدون إذن))؟
لنا تتمة
تمَ النقل من قبلي ( نديم العمر )