مشاهدة النسخة كاملة : ادااب اسلااااامية 1
ترانيم عاشق
22-05-2006, 07:00 PM
المقدمة
الجزء الثاني من الكتاب خطوة أخرى في درج التهذيب والتأديب، نقدمها لمن هم أكبر سنا وأوسع فهما، وأقدر على إستيعاب التكاليف، وتقدير المهام، والقيام بالواجبات، ممن قدمنا لهم الكتاب الأول.. فإن كان الكتاب الأول قد أعدّ لمستوى تلاميذ المرحلة الابتدائية، فهذا الكتاب يصلح لمستوى طلاب المرحلة الإعدادية الذين يعيشون في سن المراهقة، ويستعدون للانتقال الى سن الفتوة والشباب.
وقد ارتقينا في درجة آداب العبادات، وخاصة آداب صلاة الجماعة، وما يسبقها من آداب الغسل والطهارة، وما يلزمها من آداب المساجد، وما يتبعها من آداب الجمع والأعياد، كما ركزنا على آداب طلب العلم، واغتنام هذه المرحلة في جمعه وتحصيله، وآداب المتعلم والعالم، وأكدنا على تنشئة الفتى على مراقبة الله تعالى ومحبته، وخشيته، بكثرة ذكره ومجالسته، والتأدب بين يديه بدوام الالتجاء اليه بالضراعة والدعاء، والتقرب إليه بتلاوة كتابه، ومحاولة حفظه، وتعظيم قدره، ومعرفة حقه، وتدبر معانيه، وتطبيقه في الواقع والسلوك..
وإنه لمن الضرورة بمكان الاهتمام بزرع هذه البذور في نفس كل فتى وفتاة، وتعهدها بلعناية والسقاية، ومراقبتها، وتشجيعها بكافة الطرق والأساليب التربوية، حتى تؤتي ثمارها اليانعة جيلا قوي الإيمان، متين الأخلاق، كريم الآداب، صالح الأعمال، نافعا لنفسه وأسرته وأمته.. وهو كما قدمنا مسؤولية الآباء، وواجب الأولياء، قبل كل شيء، ثم واجب المربين والمرشدين والمصلحين..
ولا يمكن أن ننعم بمجتمع صالح، يأمن فيه كل فرد على نفسه وأمواله وأولاده، ويسعد فيه أبناؤه بالمحبة والتعاون والإيمان، ما لم نبدأ بغرس تعاليم الله، ومنهجه في النفس والحياة، والقيم التي أنزلها في كتابه، وارتضاها لدينه، في نفوس الأبناء والبنات منذ نعومة أظافرهم وعودهم غض طري، وقلوبهم نقية طاهرة، وأفكارهم متفتحة متيقظة، ونفوسهم قابلة للخير، مجبولة عليه، صالحة للتربية والنماء..
قال تعالى: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا النساء 58. ولعل هذه المسؤولية العظيمة من أكبر المهام، وأشد الأمانات التي أمر الله تعالى بأدائها الى هذا الجيل المفتقر الى كلمة خير، أو لفتة إصلاح، أو نظرة توجيه وتقويم وإرشاد..
وهذا رسول الله يندب الآباء الى ذلك فيقول:" لأن يؤدب الرجل ولده خير له من أن يتصدق بصاع" الترمذي.
ويرغب في العناية بالبنات، وإعدادهن الإعداد الصالح بما يليق بوظيفتهن كأمهات لأبناء المستقبل، فيقول: من كانت له ابنة، فأدبها فأحسن أدبها، وعلمها فأحسن تعليمها، وأوسع عليها من نعم الله التي أسبغ عليه، إلا كانت له منعة وسترا من النار رواه ابن ماجه.
وهذا كتاب الله تعالى يعطينا مثلا رائعا في حرص الوالد على تغذية ولده بغذاء العقيدة والعبادة والعلم، وتحصينه بسلاح الذكر والمراقبة والأخلاق، ولهفته على تأديبه بالحكم النبوية، وتلقينه الوصايا الالهية، وبذله الوقت والجهد لإعداد الولد الصالح، كل ذاك بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالترغيب الجميل، والخطاب الرقيق، والعبارة اللطيفة، والرحمة والحنان المتدفق من قلب الوالد الرفيق..
قال تعالى: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) لقمان.
وبقيت السورة الكريمة تحمل إسم "لقمان" تذكيرا لكل أب يسعى لينشئ من أبنائه ما يكون له عزا وفخرا وشرفا في الحياة الدنيا، وحسنة ودرجة ونجاة وسعادة يوم القيامة.
وعلى الوالد بعد كل هذا الجهد في النصح والبذل والتعليم والإرشاد، التوجه الى الله تعالى بالضراعة والدعاء (ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين) فهو الهادي والموفق الى صراطه المستقيم.
إنه خير إرث تتركه لأبنائك، إرث تربيتهم على العقيدة الصحيحة، والأخلاق القويمة، والأدب الكريم، قال سيدنا على (التوفيق خير قائد، وحسن الخلق خير قرين، والعقل صاحب، والأدب خير ميراث).
وقال عبدالملك بن مروان ( عليكم بطلب الأدب فإنكم إن احتجتم اليه كان لكم مالا، وإن استغنيتم عنه كان لكم جمالا).
وقال السري ( الأدب ترجمان العقل) وقال أحد الحكماء ( لا ظفر مع بغي، ولا ثناء مع كبر، ولا شرف مع سوء أدب). وقال الشاعر موصيا كل والد:
عوّد بنيك على الآداب في الصغر ****** كما تقرّبهم عيناك في الكبر
فإنما مثل الآداب تجمعها ****** في عنفوان الصّبا كالنقش في الحجر
وقال غيره موصيا كل ولد:
كن إبن من شئت واكتسب أدبا ****** بنيك محموده عن النسب
إن الفتى من يقول ها أنا ذا ****** ليس الفتى من يقول كان أبي
والله ندعو أن يجعل في هذا الكتاب لبنة صالحة في بناء الناشئة الروحي والأخلاقي والاجتماعي، وأن ينفع به، ويجعله خالصا لوجهه الكريم..
***
آداب الغسل ودخول الحمام
اهتم الإسلام بجميع الشؤون التي يصادفها المسلم ويتعرّض لها خلال خطوات حياته، فهو الى جانب حرصه على بناء المسلم الكامل في عقيدته، الراجح في عقله، الزكيّ في نفسه، الفاضل في أخلاقه، الناجح في معاملاته، حرص على بناء المسلم السليم في جسده، القوي في بنيته، الطاهر في بدنه، النظيف في ثيابه، المعطر في رائحته، الجميل في هندامه.
قال تعالى: فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) التوبة.
وعن عائشة ا عن النبي قال:تنظّفوا فإن الإسلام نظيف رواه ابن حبان.
وإذا كان العقل السليم في الجسم السليم، فإن الإسلام جعل من الطهارة التي هي سبب في صحة الأجسام، ونشاط الأعضاء، جعل منها نصف الإيمان.
فعن أبي مالك الأشعري قال رسول الله صلى الله عليه عليه وسلم: الطهور شطر الإيمان رواه مسلم.
وقد شرع الإسلام النظافة على هيئة الغسل أو الوضوء كمقدمة لأهم العبادات وأكثرها تكرارا في اليوم والليلة وهي الصلاة، وأكد على فضيلة إسباغ الوضوء وإبلاغ الغسل جميع البدن.
فعن علي أن رسول الله قال: مفتاح الصلاة الطهور رواه الترمذي وابن ماجه.
وعن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله : من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من أظفاره رواه مسلم.
وسنّ الإغتسال لكثير من العبادات أو المناسبات الدينية التي يلتقي فيها المسلمون ومنها: غسل الجمعة، وغسل العيدين، وعند الإحرام، ولدخول مكة، وللوقوف بعرفة، وللطواف، ولدخول المدينة، ولكل ليلة من رمضان، ولمن دخل في الإسلام..
هذا وللغسل والاستحمام آداب إسلامية على المسلم أن يراعيها ويتعلمها ويتقيد بها، نذكر منها الآداب التالية:
1 »» تسمية الله تعالى عند خلع الثياب للغسل، وتستحب التسمية ولو لجنب أو حائض دون أن يقصدا بها القرآن.
عن أنس قال: قال رسول الله : ستر ما بين أعين الجنّ وعورات بني آدم أن يقول الرجل المسلم إذا أراد أن يطرح ثيابه: بسم الله الذي لا اله إلا هو رواه ابن السني.
2 »» ستر العورة، إذ يحرم على المسلم أن يغتسل أمام أحد وهو مكشوف العورة، كما ينبغي عدم كشف العورة لغير حاجة وذلك حياء من الله تعالى، وإكراما للملائكة الحفظة الكاتبين، والانتباه الى أن عورة الرجل على الرجل، والمرأة على المرأة، من السرة الى الركبة.
قال تعالى: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا الأعراف 26 »»27.
وعن جرهد من أصحاب الصفة قال: جلس رسول الله عندنا وفخذي منكشفغة، فقال: أما علمت أن الفخذ عورة رواه أبو داود والترمذي.
وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك. قلت فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت إلا يراها أحد فلا يريّنها. قلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: فالله تبارك وتعالى أحق أن يستحيا منه رواه أحمد وأبوداود والترمذي.
3 »» تجنب الدخول الى الحمام إلا وهو ساتر لعورته بفوطة أو مئزر، والاحتفاظ بها أثناء الاستحمام وخاصة في الحمامات العامة.
عن عائشة ا قالت: نهى رسول الله عن دخول الحمامات، ثم رخص للرجال أن يدخلوها في المآزر رواه أبو داود والترمذي.
وعن جابر أن رسول الله قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام رواه النسائي والحاكم وصححه.
4 »» غض البصر عن عورته، وعن عورات الآخرين، وتجنب استراق النظر الى أحد وهو يخلع ثيابه أو يغتسل.
قال تعالى: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) النور.
وقال عليّ : ( لعن الله الناظر والمنظور إليه).
5 »» طلب الخلوة، والاستتار عن الأنظار، وترك الاعتماد على أحد أو مساعدته في الاستحمام، إلا ما يكون من تعليم الوالدين لأبنائهما الصغار، وقد كان سيدنا عمر يخفي غسله فلا يدع أحدا ينظر اليه وهو يغتسل، ويقول إن ذلك من الدين.
عن يعلي بن أمية أن رسول الله رأى رجلا يغتسل في الفلاة بلا إزار، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله حيي ستيّر يحبّ الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر رواه أبو داود والنسائي.
6 »» تجنب الكلام والحديث مع الآخرين، والسلام أورده على أحد والذكر الجهري وتلاوة القرآن، أثناء الاستحمام، إلا ما كان من النية وأدعية الغسل، والتزام الصمت والهدوء في صب الماء.
7 »» تجنب تناول الطعام، أو شرب الماء البارد أثناء الاستحمام، وتجنب دخول الحمام بعد الطعام مباشرة، لأن ذلك يسيء الى عملية الهضم.
8 »» التفكر والاعتبار وتذكر الموت والدار الآخرة عند التجرد من الثياب، والتعوّذ بالله تعالى من النار والحميم عند صب الماء الحار.
9 »» تجنب الدخول الى الحمامات العامة إلا عند الضرورة، لأنه مظنة لكشف العورات، والنظر الى الآخرين، وخاصة إذا توفر الحمّام في البيت.
10 »» تجنب الإسراف وصب الماء بلا حاجة، فهو من مكروهات الغسل، ولو كان يغترف من نهر جار، لأن الله لا يحب المسرفين.
عن عبدالله بن مغفل أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها"، فقال يا بنيّ سل الله الجنة وعذ به من النار فإني سمعت رسول الله يقول:" يكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور رواه الترمذي.
11 »» الانتباه الى إسباغ الغسل وتبليغه جميع البدن، وإيصاله الى معاطف الجسم ومنابت الشعر، وذلك حسب الطريقة الشرعية.
قال الإمام الغزالي: إن أردت غسلا فاحمل الإناء، وضعه عن يمينك إن كنت تغترف منه، وعن يسارك إن كنت تصب منه، واغسل يديك أولا ثلاثا، وأزل ما على جسمك من نجاسة أو قذر، ثم توضأ وضوءك للصلاة، ثم صب الماء على رأسك ثلاثا مع استحضار النية، ثم على شقك الأيمن ثلاثا، ثم على شقك الأيسر ثلاثا، وأدلك ما أقبل من بدنك، وخلل الأطراف، وأوصل الماء الى معاطف البدن ومنابت الشعر ما خف منه أو كثف، واعلم أن الواجب هو النية واستيعاب البدن بالغسل.
قال تعالى: إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) البقرة.
وعن عائشة ا قالت: كان رسول الله إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أنه قد استبرأ ـ أي ابتلّ الشعر والجلد ـ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه" رواه الخمسة.
12 »» الانتباه الى أنه يحرم على الجنب خمسة أشياء: الصلاة، وقراءة القرآن، ومس المصحف وحمله، والطواف والمكث في المسجد إلا لعذر.
ويحرم على المحدث حدثا أصغر ثلاثة أشياء: الصلاة، والطواف، ومس المصحف وحمله.
13 »» ينبغي للمسلم أن يسارع الى ازالة الحدثين بالغسل والوضوء فور حدوثهما، وعدم البقاء على جنابة فإنه لا يدري متى يقع الموت.
* * *
.
ترانيم عاشق
22-05-2006, 07:04 PM
آداب المسجد
المساجد بيوت الله تعالى، ومن أحب الله تعالى أحب بيوته، وأكثر من زيارته فيها. قال تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) الجن.
والضيف إذا نزل بساحة الكرماء، و منازل العظماء، أصابه جودهم وفضلهم، ونال من أعطياتهم وغنم من إكرامهم، فكيف بضيف نزل بأكرم الأكرمين، وحلّ على رب العالمين..؟
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال فيما يرويه عن ربه: إنّ بيوتي في أرضي المساجد، وإنّ زوّاري فيها عمّارها، فطوبى لعبد تطهّر في بيته ثم زارني في بيتي فحقّ على المزور أن يكرم زائره رواه أبو نعيم.
ولا شك أن أعظم هذه الكرامات، وأفضل هذه الأعطيات، أن يذيقه الله تعالى لذة قربه وحلاوة مناجاته، وأن يمنحه شهادة الإيمان.
فعن أبي سعيد الخدري عن النبي قال: إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان، قال الله تعالى: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر.. الآية . رواه الترمذي.
وفي منازل القيامة، وكربات مواقفها، وأهوال مشاهدها، يكون في ظل عرش الرحمن، آمنا مطمئنا. فعن أبي هريرة عن النبي قال: سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله ـ وعد منهم ـ ورجل قلبه معلق بالمساجد متفق عليه.
ثم يصله تعالى بنعمة الجنة، وما أعده له فيها من نعيم مقيم، وفضل عميم.. عن أبي هريرة أن النبي قال: من غدا الى المسجد أو راح، أعدّ الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح. متفق عليه.
والمساجد ليست معابد تؤدى فيها طقوس العبادات، وحركات الصلوات فحسب، فالأرض كلها جعلت لأمة النبي صلى الله عليه وسلم مسجدا وطهورا، وتصلح لأداء الأركان والواجبات، قال أبو ذر : قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولا؟ قال:"المسجد الحرام". قلت: ثم أي؟ قال: ثم المسجد الأقصى قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عاما. ثما قال: أينما أدركتك الصلاة فصلّ فهو مسجد رواه الجماعة.
ولكن المساجد بيوت الله يأوي اليها المسلم منقطعا عن صخب الحياة المادية، ومتحررا من قيود الهموم الدنيوية، فيجد فيها مراتع من رياض الجنة، ورياحين الفردوس..
فتارة في مجلس ذكر لله تعالى، وتلاوة القرآن الكريم يصل فيها الى صفاء الروح، ولقائها بخالقها، وصلتها بمصدر الخير والكمال، ونهلها من منبع الحكمة والمعرفة والإيمان..
وتارة في مجلس وعظ وإرشاد تتزكى فيه النفس من نقائصها، وتتطهر من رذائلها، وتتحلى بفضائلها ومكارم أخلاقها..
وتارة في مجلس علم وفقه في الدين تتفتح فيه آفاق العقل على عظمة التشريع، وتتنوّر دروب الحياة بهدي التعاليم الإلهية، فيتضح صراط الله المستقيم..
كل ذلك في مجتمع إيماني كريم، يشد بعضه أزر بعض، ويحقق فيه المؤمنون قوله تعالى: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ المائدة 2. ويجنون من الثمرات ما ورد في الحديث الشريف: عن أبي هريرة قال: ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده رواه مسلم.
وإذا كان حق الضيف إكرامه، فإن من واجبه معرفة قدر من يزور، والاستعداد لزيارته، والتأدب في حضرته بما يليق وجلال المزور وعظمته..
ومن الآداب الإسلامية لزيارة بيوت الله تبارك وتعالى نذكر منها ما يلي:
1 »» محبة المساجد وتقديرها، والنظر إليها بعين التكريم والتعظيم والتقديس والاحترام، لأنها بيوت الله تعالى التي بنيت لذكره وعبادته، وتلاوة كتابه وأداء رسالته، ونشر تعاليمه وتبليغ منهجه، وتعارف أتباعه ولقائهم على مائدة العلم والحكمة ومكارم الأخلاق..
قال تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) الحج.
وقال سبحانه: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) النور.
وعن أبي الدرداء أن النبي قال: المسجد بيت كل تقيّ وتكفل الله لمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة والجواز على الصراط الى رضوان الله الى الجنة رواه الطبراني والبزار.
2 »» العمل على إشادتها، والقيام بما يستطيع من جهد مادي أو جسدي لبنائها، وتشجيع الناس على التبرع لاستكمالها وتجهيزها بما يليق ومكانتها، وابتغاء وجه الله تعالى في كل ذلك.
عن ابن عباس ما أن النبي قال: من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة لبيضها ـ أي بقدر الموضع الذي يبيض فيه طائر القطاة ـ بنى الله له بيتا في الجنة رواه أحمد وان حبان.
وعن أنس قال: من أسرج سراجا في مسجد لم تزل الملائكة وحملة المسجد يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد صوؤه.
3 »» المحافظة على ارتياد المساجد ولو كانت بعيدة عن منزله، والمشي إليها ولو تحمل في سبيل ذلك الحّر والبرد، وظلمة الليل ومشقة الطريق.
عن أبي موسى قال: قال رسول الله : إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصليها ثم ينام متفق عليه.
وعن أبي بريدة عن النبي قال: بشّروا المشّائين في الظلم الى المساجد بالنور التام يوم القيامة رواه أبو داود والترمذي.
وعن أبيّ بن كعب قال: كان رجل من الأنصار لا أعلم أحدا أبعد من المسجد منه، وكانت لا تخطئه صلاة، فقيل له: لو اشتريت حمارا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء، قال: ما يسرّني أن منزلي الى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي الى المسجد ورجوعي إذا رجعت الى أهلي، فقال رسول الله : قد جمع الله لك ذلك كله رواه مسلم.
4 »» التهيؤ للذهاب الى المسجد بالطهارة وحسن الوضوء والتسوّك، ولبس الثياب النظيفة، وتقليم الأظافر وترجيل الشعر، والتجمّل والتطيّب.
قال تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ الأعراف 31.
وعن أبي هريرة أن النبي قال: من تطهر في بيته ثم مضى الى بيت من بيوت الله، ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطواته إحداها تحطّ خطيئة والأخرى ترفع درجة رواه مسلم.
5 »» إنهاء جميع الأعمال الدنيوية، وإيقاف كافة الأشغال المادية عند سماع الأذان، والمسارعة الى تلبية النداء، والتوجه الى المسجد مهما كانت الأعذار.
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ الأنفال 24.
وعن أبي هريرة قال: أتى النبي رجل اعمى فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني الى المسجد، فسأل رسول الله أن يرخّص له فيصلي في بيته، فرخّص له، فلما ولى دعاه فقال له: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال:" فأجب" . رواه مسلم.
6 »» الدخول الى المسجد مقدما الرجل اليمنى قائلا: بسم الله، اللهم صل على سيدنا محمد، اللهم افتح لي أبواب رحمتك.
كما يستحب أن ينوي الاعتكاف فإنه يصح ولو لم يمكث إلا فترة قليلة، فيقول: نويت الاعتكاف في هذا المسجد ما دمت فيه.
7 »» الخروج مقدما الرجل اليسرى واضعا حذاءه أمامه بهدوء قائلا: اللهم صل على سيدنا محمد، اللهم إني أسألك من فضلك.
عن أبي أسيد قال: قال رسول الله : إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك. رواه مسلم وأبو داود.
8 »» صلاة ركعتين سنة تحية المسجد قبل الجلوس، إذا لم يكن وقت صلاة راتبة، ومن لم يتمكن من الصلاة لحدث أو شغل.. فليقل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثلاث مرات.
عن أبي قتادة قال: قال رسول الله : إذا دخل أحكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين متفق عليه.
9 »» خلع الحذاء وإزالة ما علق به من أوساخ خارج المسجد، وإطباقه ووضعه في أقرب مكان مخصص والحذر من رفعه فوق الرؤوس، أو تلويث المسجد به، ثم إطباق باب المسجد بهدوء عند الدخول.
10 »» الانتباه الى طهارة الجوارب ونظافتها، قبل المشي بها على سجاد المسجد.
11 »» تجنب أكل الثوم أو البصل، وما له رائحة كريهة، والدخول الى المسجد قبل إزالتها، بتنظيف الفم بالماء والفرشاة والمعجون.
عن جابر قال: قال رسول الله : من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، أو فليعتزل مسجدنا متفق عليه.
وعنه أن النبي قال: من أكل الثوم والبصل والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم متفق عليه.
12 »» تجنب تلويث المسجد بشيء من القاذورات أو النجاسات، كالمرور بأرجل عليها نجاسة، أو تلويثه بالقليل من الدم، كما يحرم البول في المسجد ولو كان في وعاء ويحرم الاستنجاء فيه.
عن أنس قال: قال رسول الله للأعرابي الذي بال في المسجد: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله وقراءة القرآن رواه مسلم.
13 »» تجنب تلويث المسجد بالبصاق أو المخاط أو النخامة، وخاصة عند عتبات المسجد أو على بابه أو في أماكن الوضوء، والقيام على إزالته إن وجد.
عن أنس أن رسول الله قال: البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها متفق عليه.
وعن عائشة ا أن رسول الله رأى في جدار القبلة مخاطا أو بزاقا أو نخامة فحكّه. متفق عليه.
14 »» تجنب اللهو واللعب والجري، واللغو والثرثرة، ورفع الأصوات ولو بقراءة القرآن على وجه يشوّش على المصلين أو الذاكرين أو المتدارسين للعلم.
عن السائب بن يزيد الصحابي قال: كنت في المسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أين أنتما؟ فقالا: من أهل الطائف فقال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله . رواه البخاري.
وعن أبي سعيد الخدري أن النبي اعتكف في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: ألا كلكم مناج ربه فلا يؤذينّ بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة. رواه النسائي وأبو أحمد.
15 »» تجنب الخصومات والاشتغال بأمور الدنيا، والبيع والشراء، والبحث عن ضائع، وإنشاد الشعر المتضمن فحشا أو هجاء لمسلم أو ظلما أو غزلا، ولا بأس فيما تضمن حكمة أو خيرا.
عن ابن عمر ما قال: نهى رسول الله عن الشراء والبيع في المسجد وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تنشد فيه الضالة. رواه الخمسة.
عن أبي هريرة أن رسول الله قال: إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة فقولوا لا ردّ الله عليك رواه الترمذي.
وقال سعيد بن المسيّب: من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه، فحقه ألا يقول إلا خيرا.
16 »» تجنب الاحتباء وتشبيك الأصابع وفرقعتها والعبث بها في المسجد وإثناء انتظار الصلاة.
عن أبي سعيد قال: دخلت المسجد مع رسول الله فإذا رجل جالس وسط المسجد محتبيا مشبّكا أصابعه بعضها على بعض فأشار إليه رسول الله فلم يفطن لإشارته، فالتفت رسول الله فقال: إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبّكنّ فإنّ التشبيك من الشيطان، وإنّ أحدكم لا يزال في صلاة ما كان في المسجد حتى يخرج منه رواه أحمد.
17 »» تجنب الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر حتى يصلي المكتوبة.
عن أبي الشعثاء قال: كنا قعودا عند أبي هريرة في المسجد فأذّن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم . رواه مسلم.
18 »» تجنب تناول الأطعمة في المسجد وجعلها أمكنة للراحة أو القيلولة أو السمر، وتجنب الوقوع في المحرمات كالغيبة والنميمة والكذب وتنفقيص الناس.
19 »» تجنب الدخول الى المسجد للمرور فيه كطريق، أو الدخول والخروج منه من غير صلاة أو ذكر أو تسبيح أو عبادة أو أمر بالمعروف أو نهي عن منكر أو طلب للعلم.
20 »» القيام بصيانة المسجد، والحفاظ على نظافته وأناقته، وأثاثه وأمتعته، وكتبه ومصاحفه.
عن عائشة ا قالت: أمر رسول الله ببناء المساجد في الدور ـ أي في الأماكن التي تبنى فيها البيوت ـ وأن تنظف وتطيّب. رواه أحمد وأبو داود.
وعن أنس قال: قال رسول الله : عرضت عليّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد رواه الترمذي وأبو داود.
21 »» صيانة المسجد من الأطفال والمجانين، وتشجيع الصبية الذين تجاوزوا السابعة وإحضارهم الى المسجد تعويدا لهم على العبادة، وتحبيبهم بالمساجد مع تعليمهم آدابها قبل دخولها، والإشراف عليهم أثناء وجودهم فيها لتوجيههم وتنبيههم عند الإخلال بحرمتها أو مخالفة آدابها والحذر من إهانتهم أو طردهم منها.
22 »» تجنب التطيب والتزين والتبرّج للمرأة التي تشهد المساجد، ودخولها وخروجها من المكان المخصص للنساء، دون اختلاطها بالرجال أو مزاحمتهم.
عن زينب الثقفية ا قالت: قال لنا رسول الله : إذا شهدت إحداكنّ المسجد فلا تمسّ طيّبا رواه مسلم.
وعن عائشة ا قالت: بينما رسول الله جالس في المسجد إذ دخلت إمرأة من مزينة ترفل في زينة لها في المسجد، فقال : يا أيها الناس انهوا نساءكم عن لبس الزينة والتبختر في المسجد فإن بني إسرائيل لم يلعنوا حتى لبس نساؤهم الزينة وتبختروا في المساجد رواه ابن ماجه
******
* * *
ترانيم عاشق
22-05-2006, 07:07 PM
آداب صلاة الجماعة
الانسان اجتماعي بطبعه، يحب الجماعة التي توافقه وترعاه، وتسأل عن شؤونه وتسدي إليه النصح والمعروف، ولا بدّ للإنسان في حياته من جماعة يعيش معها، فإذا ما افتقد الجماعة التي تأمره بالخير وتعينه على التقوى، تلفقته الجماعة التي تأمره بالمنكر، وتزين له الشرور والآثام، فينساق معها الى الذنوب والعصيان، ويهوي بسببها الى النار. وقد أخبرنا الله تعالى أن المجرمين يساقون الى النار كل مع جماعته، وأن المؤمنين يحشرون الى الجنة كل مع زمرته، قال تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً.... وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً.... الزمر 71 »»73. وأمر سبحانه بالتزام الجماعة المؤمنة الصادقة فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ (119) التوبة.
والإسلام بعتباره دين الفطرة فهو دين الجماعة، يأمر بها ويحث على التزامها، ويكره الفرقة والاختلاف، وينعي على الذين يشذون عن الجماعة ويفارقونها بأنهم يشذون الى أهوائهم الذي يسوقهم الى الانحراف والى الضلال المبين.
وقد جاء الإسلام، والعرب نتفرقون لا تجتمع لهم كلمة أحدهم على كلمة فوحدهم بعد فرقة، وجمع شملهم بعد عداوة، وجعلهم إخوة كالجسد الواحد بعد طول تشاحن واقتتال. ومنّ عليهم بذلك فقال سبحانه: وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً آل عمران 103.
ومن مظاهر الجماعة الخيّرة في الإسلام حضّه على إقامة العبادات مع الجماعة، فقد حضّ على صلاة الجماعة، وأكد على ضرورة حضورها، ورغب في عظيم فضلها فعن ابن عمر أن رسول الله قال: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة متفق عليه.
ووعد الذين يلتزمونها ويحافظون عليها بشهادة في الدنيا تنفي عنهم مرض النفاق، وبشهادة في الآخرة تحميهم من دخول النار، فعن أنس أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: من صلى أربعين يوما في جماعة لا تفوته فيها تكبيرة الإحرام كتب الله له براءتين: براءة من النفاق وبراءة من النار رواه الترمذي.
وجعل الفرقة في الصلاة علامة على التهاون بشأنها، وهي بدورها علامة على وجود عمل للشيطان وإستيلاء له على القلوب والأعمال، فعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله يقول: ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية رواه أبو داود.
وأوعد من يتخلف عن صلاة الجماعة بتركه لهدي النبي ، وهدد بوجود علامة للنفاق فيه، فعن ابن مسعود قال من سرّه أن يلقى الله تعالى غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهنّ، فإن الله شرع لنبيّكم سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأينا وما يتخلف عنها إلا معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف رواه مسلم.
وقد حافظ المسلمون على هذه الشعيرة المباركة على مدى الأجيال، وكان لها أكبر الفضل في محافظتهم على ركن الصلاة، وظل نداء الإيمان يصدح على المآذن حتى هذه الأيام وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وقد بلغ من محافظة السلف على حضور الجماعات حدا أشبه بالخيال، فهذا سعيد بن المسيّب يقول: ما أذن مؤذن منذ عشرين سنة إلا وأنا في المسجد.
وقد كانوا يعزون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم التكبيرة الأولى، ويعزون سبعا إذا فاتتهم الجماعة.
هذا ولصلاة الجماعة آداب كثيرة إضافة الى آداب المسجد التي ذكرناها، منها ما يختص بالإمام ومنها ما يختص بالمأموم، ومنها ما يلزمهما معا، نذكر منها الآداب التالية:
1 »» المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد، والاستعداد لها بالطهارة والوضوء في البيت، والحضور في أول الوقت، وخاصة إذا كان المسجد قريبا.
عن جابر وأبي هريرة ما أن رسول الله قال: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد رواه الدارقطني.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : صلاة الرجل في جماعة تضعّف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج الى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحطت عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه ما لم يحدث، تقول: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة متفق عليه.
2 »» تجنب التهاون في صلاة الجماعة، والتكاسل عنها، والانشغال بغيرها عند سماع النداء.
عن أبي هريرة أن رسول الله قال: والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذّن لها، ثم آمر رجلا فيؤمّ الناس، ثم أخالف الى رجال فأحرّق عليهم متفق عليه.
3 »» الحرص على صلاة الفجر والعشاء مع الجماعة، لما فيهما من عظيم الأجر وجزيل الثواب، ولما في هذين الوقتين من البركات وتنزّل الرحمات، ولثقلهما على المنافقين لانشغالهم فيها في لهو أو نوم.
عن عثمان بن عفان قال: كان رسول الله يقول: من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله رواه مسلم.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا متفق عليه.
4 »» التوقف عن الذكر والصلاة وقراءة القرآن عند سماع الأذان، وإجابة المؤذن فيما يقول.
عن معاوية أن رسول الله قال: من سمع المؤذن فقال مثلما يقول فله مثل أجره. رواه الطبراني.
5 »» الإقبال الى صلاة الجماعة بنؤدة وهدوؤ وسكينة ووقار، وخشوع للقلب، وترك لشواغل الدنيا، وتجنب الإسراع أو الركض في الطريق أو في المسجد للحوق بالجماعة..
عن أبي هريرة أن رسول الله قال: إذا سمعتم الإقامة فامشوا الى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا رواه الجماعة إلا الترمذي.
6 »» إلقاء السلام على الجماعة المنتظرين للصلاة عند الدخول عليهم، وتفقد الغائبين منهم بعد أداء الصلاة، فمن كان مريضا عادوه، ومن كان مقصرا زاروه، ومن كان محتاجا أعانوه، ومن كان مصابا عزوه، ومن كان متوفى شيعوه.
7 »» السعي للوصول الى الصف الأول وذلك بالتكبير الى المسجد وتجنب تخطي رقاب المصلين للوصول إليه، فإن أحق المصلين بالصف الأول أسبقهم إليه.
عن أبي هريرة أن رسول الله قال: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا متفق عليه.
8 »» تجنب السير بين الصفوف، والحذر من المرور بين يدي المصلين أثناء صلاتهم.
عن عبدالله بن الحارث الأنصاري قال: قال رسول الله : لو يعلم المارّ بين يدي المصلي ماذا عليه ـ من الإثم ـ لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه متفق عليه. قال الرواي: لا أدري قال أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين سنة.
9 »» التوقف عن أداء صلاة السنة متى أقيمت الصلاة المكتوبة، وتخفيفها إن كان قد تلبّس بها، وقصرها الى ركعتين إن كانت رباعية وذلك للحوق الإمام.
عن أبي هريرة عن النبي قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة رواه مسلم.
10 »» يجب متابعة الإمام في حركات الصلاة، وتحرم مسابقته، وتبطل إن سبقه بتكبيرة الإحرام.
عن أبي هريرة أن رسول الله قال: إنما جعل الإمام لؤتمّ به فلا تختلفوا عليه فإذا كبّر فكبّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون متفق عليه.
11 »» إذا كان المقتدي فردا واحدا فإنه يقف عن يمين الإمام متأخرا عنه قليلا، فإن أتى آخر أشار اليه برفق بعد أن ينوي الصلاة ليتأخر، ويصفّان وراء الإمام.
عن جابر قال: قام رسول الله يصلي فجئت فقمت عن يساره فأخذني بيده فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جابر بن صخر فقام عن يسار رسول الله فأخذ بأيدينا جميعا فدفعنا حتى أقامنا خلفه. رواه مسلم وأبو داود.
12 »» يتم إنشاء الصف خلف الإمام بمحاذاته، ثم يصطفّ المصلون يمينا ويسارا بالتساوي حتى يستكمل الصف، ولا يبدأ بتشكيل صف جديد حتى ينتهي الذي قبله وينبغي تسوية الصفوف لتكون على استقامة واحدة كما ينبغي رصّ الصفوف للتوجه الى الله تعالى بقلب واحد، وبذلك نحصل بركة الجماعة، إذ تتوحد القلوب في مقصدها فيغذي القوي منها الضعيف، وتفاض رحمة الله على الجميع.
عن أبي هريرة أن رسول الله قال: وسّطوا الإمام، وسدوّا الخلل رواه أبو داود.
وعن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله فقال: ألا تصفوّن كما تصفّ الملائكة عند ربها. فقلنا: يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمّون الصف الأول، ويتراصّون في الصف رواه مسلم.
وعن أنس قال: قال رسول الله : سوّوا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة متفق عليه.
وعن ابن عمر ما قال: قال رسول الله : أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله رواه أبو داود.
13 »» ينبغي عدم التأخر عن أول الصلاة وتكبيرة الإحرام، وعدم التباطؤ عن الصفوف الأولى.
عن أبي سعيد أن رسول الله رأى في أصحابه تأخرا فقال لهم: تقدّموا فأتمّوا بي، وليأتم بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله رواه مسلم.
14 »» ينبغي أن يقف خلف الإمام مباشرة أكبر المصلين قدر وسنا، وأحسنهم خلقا وإيمانا، وأكثرهم تقوى وصلاحا، وأحفظهم للقرآن الكريم، وأعلمهم بأحكام الدين، وينبغي تقديمهم إذا كانوا في الصفوف المتأخرة، وإيثارهم بالصف الأول.
عن ابن مسعود قال: كان رسول الله يمسح مناكبنا في الصلاة يسوّيها ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليلني منكم أولوا الأحلام والنهي ثم الذين يلونهم رواه مسلم.
15 »» يمبغي أن يخفف الإمام الصلاة مع إتمامها، ولا يطيل زيادة على المألوف رفقا بالضعفاء والمرضى والصنّاع والمسنين وأصحاب الحاجات والأعذار، وليطل إذا صلى وحده أو بمن يرضون الإطالة.
عن أبي هريرة أن النبي قال: إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، فإذا صلى لنفسه فليطوّل ما شاء رواه الجماعة.
وعن أنس قال ما صليت خلف إمام قط أخف صلاة، ولا أتمّ من النبي . متفق عليه.
16 »» تجنب الاستعجال في الخروج من المسجد بعد إنقضاء الجماعة، لئلا يؤدي الى مزاحمة المصلين ومدافعتهم، والحذر من إفساد ثواب الجماعة بإيذاء أحد منهم باليد أو باللسان، ويفضل إطالة الجلوس في المسجد لقراءة الأذكار المأثورة دبر كل صلاة.
17 »» يمكن للمرأة أن تشهد الجماعة وتصلي في المسجد إذا خرجت بإذن وليّها غير متبرّجة ولا متزينة ولا متعطّرة وصلاتها في بيتها أفضل.
عن أبي هريرة أن النبي قال: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تفلات أي غير متطيبات. رواه أحمد وأبو داود.
******
* * *
ترانيم عاشق
22-05-2006, 07:10 PM
آداب العالم
العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا من عرض الدنيا متاعا زائلا، ولا مالا فائنا، وإنما ورّثوا دين الله عز وجل القائم على العلم والحكمة، ومعرفة آيات الله في خلقه، وتزكية النفس وصلتها بخالقها، وتحليتها بمكارم الأخلاق.
العلماء ورثة الأنبياء، ورثوا عن سيدنا نوح صبره على تبليغ رسالة الله، وتحمله إيذاء قومه وإعراضهم عنه في سبيل الله، وهو قائم بالدعوة الى الله مئات السنين دون كلل ولا ملل، ولا ضجر ولا قنوط.
وورثوا عن سيدنا إبراهيم شجاعته وصموده أمام أعداء الله، وتضحيته بالحياة واستهانته بالموت في سبيل إعلاء كلمة الله.
وورثوا عن سيدنا موسى قوته وأمانته، وعفته ونزاهته، ودعوته للإنقاذ قومه من الظلم والاستعباد، ورفقه بهم ليخرجهم من الظلمات الى النور، ومن عبادة الطواغيت الى عبادة الله الواحد القهار.
وورثوا عن سيدنا عيسى روحانيته وقربه من الله، وذكره وصلته الدائمة بالله، وصدقه ورحمته، وسمونفسه ورفعتها ومحبتها لجميع خلق الله.
وورثوا عن خاتم النبيين سيدنا محمد وعليهم أجمعين الخلق العظيم، والرحمة للعالمين، والصفوة من الشرع والدين القويم.
ورثوا عنه صبره وحلمه، وجهاده ونضاله، وعرض نفسه ودعوته على الناس في سبيل نشر دين الله، مقتحما الأخطار، غير مبال بتهديد ولا إيذاء ولا استنكار، غير آبه بإغراء بمنصب أو مال أو جمال، قائلا كلمته المشهورة: والله يا عمّ، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أرجع عن تبليغ رسالة ربي ما رجعت حتى ينفصل رأسي عن كتفي رواه البيهقي عن ابن اسحاق.
هؤلاء العلماء هم الذين عقلوا عن الله ينه، وفهموا مراده من رسالته الى خلقه وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) العنكبوت، فاستقرّ نور الكتاب بين ثنايا صدورهم، وانطبعت معاني الآيات في أعماق قلوبهم بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ العنكبوت 49. وبذلك ارتقوا في مقامات الصالحين، وارتفعوا الى مصافّ المقربين يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ الذاريات 11، وشتان ما بين هذه المنزلة الرفيعة، ومنزلة الغفل الجاهلين، والمعرضين الزاهدين قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ الزمر 9.
هؤلاء العلماء هم مصابيح الهدى التي تدل الناس على منهج الله، وترشدهم الى دين الله، وهم منابع الخير والسعادة والفلاح، يملؤون العقول بالعلم والحكمة، ويهذبون النفوس ويزكونها بمراقبة الله وذكره على الدوام، وينشؤون الجيل القوي بعقيدته، الكريم بأخلاقه، النافع لأمته، المخلص في بناء وطنه، فهم روح المة وكنزها الأكبر. قال : إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضلّ الهداة رواه أحمد عن أنس بن مالك.
وإذا كان العلماء مصادر السعادة لمن لاذ بهم وأخلص في صحبتهم في الدنيا، فهم تمام السعادة في الآخرة، يحشر أتباعهم بمعيتهم، ثم يشفعون بهم، قال : ويشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء رواه ابن ماجه عن عثمان بن عفان. وقال عليه السلام: يبعث العالم والعابد فيقال للعابد: ادخل الجنة، ويقال للعالم اثبت حتى تشفع للناس بما أحسنت أدبهم رواه البيهقي عن جابر.
وأي شرف أرفع، وفضل أكبر في تكريم العلماء من عطف شهادتهم في وحدانية الله على شهادة الله وشهادة ملائكته، قال تعالى: شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ آل عمران 18. ومن قول النبي : إن الله وملائكته، وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس خيرا رواه الترمذي. وفي حديث آخر فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورّثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر رواه الترمذي.
هذا وللعلماء الحقيقيين صفات بها يعرفون، وأخلاق عليها مجبولون، وآداب بها متصفون، نذكر منها ما يلي:
1 »» لزوم العلم ومحبته والشغف به، وبذل الوقت للاستزادة منه على الدوام.
قال الله تعالى: وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً (114) طه.
وعن عائشة ا أن النبي قال: إذا أتى عليّ يوم لا أزداد فيه علما، يقرّبني الى الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية.
2 »» العمل بالعلم، لأن العالم الحق لا يخالف فعله قوله، ومن كان قدوة للناس بفعله وسلوكه قبل كلامه وتوجيهه، ومن دعاهم الى الله بسيرته وأخلاقه، قبل دروسه وخطبه، ومن علّم الناس بحاله قبل قاله. قال أبو الدرداء: ويل للذي لا يعلم مرة، وويل للذي يعلم ثم لا يعمل سبع مرات. وقال سفيان بن عيينة: ليس العالم الذي يعرف الخير من الشر، إنما العالم الذي يعرف الخير فيتبعه، ويعرف الشر فيجتنبه.
وقال أحد الشعراء:
يا أيها الرجل المعلم غيره ****** هلا لنفسك كان ذا التعليم
ابدأ بنفسك فانهها عن عيّها ****** فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
لا تنه عن خلق وتأتي مثلــه ****** عار عليك إذا فعلت عظيم
وعن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله يقول: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان مالك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فيقول بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه. متفق عليه.
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) الصف.
وقال تعالى على لسان نبيه شعيب: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ هود 88.
وقال عز وجل: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (44) البقرة.
وعن أنس عن النبي قال: من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم رواه أبو نعيم في الحلية.
وعن أبي الدرداء موقوفا: لا يكون المرء عالما حتى يكون بعلمه عاملا . رواه ابن حبان.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه مثل الفتيلة تضيء على الناس وتحرق نفسها رواه الطبراني.
3 »» خشية الله تعالى كلما ازداد علما، ومخافته كلما ازداد معرفة بعظمته وقدرته، قال أحدهم:
على قدر علم المرء يعظم خوفه ****** فما عالم إلا من الله خائف
فآمن مكر الله بالله جاهل ****** وخائف مكر الله بالله عارف
قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء فاطر 28.
وقال علي :" قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسّك".
4 »» الترفع عن سفاسف الدنيا، ولغوها ولهوها ولعبها، وبهرجها وزخارفها وشهواتها الرخيصة. روي أن رجلا من بني إسرائيل جمع ثمانون تابوتا من العلم ولم ينتفع به، فأوحى الله الى نبيهم أنه قل لهذا الجامع " لو جمعت كثيرا من العلم لم ينفعك إلا أن تعمل ثلاثة أشياء: لا تحب الدنيا فليست بدار المؤمنين، ولا تصاحب الشيطان فليس برفيق المؤمنين، ولا تؤذ أحدا فليس بحرفة المؤمنين".
قال تعالى: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) طه.
وعن علي أن رسول الله قال: من ازداد بالله علما ثم ازداد للدنيا حبا، ازداد الله عليه غضبا رواه أبو الفتح الأزدي. وعن الحسن موقوفا: من أراد علما ثم ازداد على الدنيا حرصا لم يزدد من الله إلا بعدا رواه ابن حبان.
5 »» التواضع لعباد الله، والشفقة على المتعلمين، والرفق بهم، والتأني في تعليمهم، ومعاملتهم كأبنائه المحتاجين، واحتمال إعراضهم وجفائهم وجهالتهم، والحرص على إنقاذهم من ظلمات الجهالة الى نور العلم والفقه في الدين. والعمل على إصلاحهم بإنتقاء العلم الذي يعالج أمراضهم، ويصلح أحوالهم وتقديم الأولى في تعليمهم والتدرج في تأديبهم، وتفهم حاجاتهم وتقدير ظروفهم، والرد على أسئلتهم، والبشاشة في وجوههم، وتأليف قلوبهم، وبذل الوقت وإنفاق المال في سبيل إرشادهم، وقد ورد في الأثر ( لينوا لمن تعلمون ولمن تتعلمون منه).
قال تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ (216) الشعراء.
وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: إنما أنا لكم مثل الوالد لولده رواه ابو داود وابن ماجه والنسائي وابن حبّان.
وعن أبي هرون العبدي قال: كنا نأتي أبا سعيد الخدري فيقول: مرحبا بوصية رسول الله: إن النبي قال: إن الناس لكم تبع وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا رواه الترمذي وابن ماجه.
6 »» الإخلاص في تعليم العلم وبذله للناس، وإرادة وجه الله تعالى به، وطلبا لرضاء الله عز وجل وقربه إليه، فلا يطلب أجرا ولا جزاء ولا ثناء ولا شكورا.
قال الله تعالى: وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ هود 29.
وعن ابن عباس ما قال: قال رسول الله : أي جلسائنا خير؟ قال: من ذكّركم الله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، وذكّكركم بالآخرة عمله رواه أبو يعلى.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : من طلب علما يبتغي به وجه الله تعالى ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة رواه أبو داود وابن ماجه.
7 »» التثبت من العلم والتوسع في دقائقه، واصابة لبه، وأن يبلغ فيه مداه، فلا يكتفي ببعضه ولا بقشوره، ولا يعلم بعض مسائله ويجهل ما هو من مستلزماتها ومتمماتها.
8 »» الالتزام بالحلم والوقار، والأناة وسعة الصدر، إذا لا يزين العلم إلا الحلم ومكارم الأخلاق، وتجنب الرعونة والحمق والطيش والخفة والغضب والتهور وسرعة الانفعال..
9 »» الصبر على جفاء الجاهلين، وإيذاء الحاسدين، وافتراء الكاذبين وعداوة الجاحدين.
قال الله تعالى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ الأحقاف 35.
وعن أبي عبدالرحمن عبدالله بن مسعود قال: كأني أنظر الى رسول الله يحكي نبيا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون متفق عليه.
10 »» بذل العلم لأهله، وتبيانه وإيضاحه، وتجنب كتمان شيء منه ضنا به أو ترفعا على من يطلبه.
قال تعالى: وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) آل عمران.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : من سئل علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار رواه الترمذي.
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله : ما آتى الله عالما علما إلا وأخذ عليه من الميثاق ما أخذ على النبيين أن يبينوه للناس ولا يكتموه رواه أبو نعيم.
11 »» استماع الحجة والقبول بها، والانصياع للحق وإن كان من الخصم، وتجنب الإصرار على الخطأ. قال الشافعي: وددت أن الناس انتفعوا بهذا العلم وما نسب ألي شيء منه، وما ناظرت أحدا قط فأحببت أن يخطئ.
12 »» الجرأة في الحق، وإظهار عزة العلم، وأن لا يخشى في الله لومة لائم أو غضبة حاقد وإن كان مرا وذلك بالحكمة والعقل والموعظة الحسنة.
قال تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء الأنعام 83.
وعن عائشة ا قالت: قال رسول الله : من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عليه وأرضى عليه الناس رواه الترمذي.
13 »» إعطاء المتعلم على قدر فهمه، فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله فينفره، ثم يتدرج به من رتبة الى رتبة. قال الإمام علي: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله رواه البخاري.
وقال ابن مسعود : ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا إذا كان لبعضهم فتنة. رواه مسلم.
14 »» بذل العلم لمن يقدرونه وينتفعون منه، وإمساكه عمن غيرهم.
عن أنس قال: قال رسول الله : طلب العلم فريضة على كل مسلم، وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب رواه ابن ماجه.
15 »» إصلاح ظاهره بالاستقامة على الشريعة المحمدية، وباطنه على التقوى وتزكية النفس ومراقبة الله تعالى، لأن العلم ليس لقلقة باللسان، وكلمات جوفاء لا تتجاوز الآذان، وإنما هو نور القلب بخرج من روح متصلة بالله مستقر في القلوب والأرواح لينقلب الى عمل وسلوك.
قال الله تعالى:وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) السجدة.
وعن جابر قال قال رسول الله : العلم علمان: علم في القلب فذاك العلم النافع، وعلم اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم رواه الحافظ وابن عبدالبر.
16 »» تجنب الفتيا بغير علم أو تثبت أو تأكد من المسألة، وإحالة الباب الذي لا يعرفه إلى من هو أعلم منه، وعدم الحرج من قول لا أدري أو الأنفة من ذلك.
قال تعالى: وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (85) الاسراء.
وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه. رواه الحاكم وأبو داود.
17 »» تجنب المنة على المتعلمين ورؤية فضله على أحدهم إذا تعلم وتهذب وتزكى، لأن ذلك مما يحبط الأجر والثواب، ولكن يطلب ذخره عند الله، ويرى الفضل للمتعلم الذي كان السبب في رفع درجاته، وزيادة حسناته.
18 »» أن يتبع طريقة النبي في زجر المقصرين، ومحاسبة المذنبين وذلك بالتعريض دون التوبيخ، وبالتلميح دون التصريح.. كأن يقول " ما بال أقوام".
*********
ترانيم عاشق
22-05-2006, 07:11 PM
آداب المتعلم
كلنا يعلم أن أول ما نزل من القرآن الكريم أن أمر الله تعالى نبيه بالقراءة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) العلق. ومنّ على الإنسان بالإنعام عليه بالعلم: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) العلق. ثم أقسم في ثاني سورة بالكتابة وأدواتها ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) القلم، ثم تتالت الآيات في بيان فضل العلم كقوله تعالى: هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا الأنعام 148. وفي الحث على التعلم كقوله تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ التوبة 122. وفي تكريم العلماء كقوله جلّ وعلا قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43) الرعد.
وتمت معجزة الدين الجديد بالقضاء على ظلام الجهل والخرافة والأمية، ونشر مشاعل العلم والحكمة والحضارة والمعرفة في أرجاء الأرض.
وليس هناك من دين سماوي أو نظام وضعي حض على العلم وقدسه وأمر بتحصيله وتحكيمه في كل خطوة من خطوات الحياة وفي كل ميادينها كما فعل الإسلام.
ففي وقت كان العلم محظورا على الرعاع من الناس، ومقصورا على طبقة الأشراف والنبلاء، لم يبح الاسلام العلم وإنما جعله فريضة على جميع معتنقيه، قال : طلب العلم فريضة على كل مسلم رواه ابن ماجه وغيره عن أنس. وتبرأ من كل جاهل فقال عليه الصلاة والسلام: ليس مني إلا عالم أو متعلم رواه الديلمي عن ابن عمر. وجعله بمنزلة الحيوان الأعجم فقال: الناس رجلان: عالم أو متعلم، ولا خير فيمن سواهما رواه الطبراني عن ابن مسعود.
وجعل العلم طريقا الى الفوز بالجنة فقال : من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا الى الجنة رواه مسلم، وجعل طالبه حبيب الملائكة الذين يقومون بتأييده ومعونته، قال عليه الصلاة والسلام: إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يصنع رواه أبو داود عن أبي الدرداء، وبين أن القليل منه، خير من كثير العبادة فقال : لأن تغدو فتتعلم بابا من العلم خير من أن تصلي مائة ركعة رواه ابن عبدالبر عن أبي ذر، وقال: فضل العلم خير من فضل العبادة رواه الطبراني والحاكم. وجعل طلبه جهادا في سبيل الله فقال عليه الصلاة والسلام: من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع رواه الترمذي عن أنس، وأجره كأجر من ظفر بحجة تامة فقال: من غدا الى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرا أو يعلمه كان له كأجر حاجّ تاما حجّته رواه الطبراني عن أبي أمامة. وسببا في مغفرة الذنوب وتكفير الخطايا فقال: ما انتعل عبد قط ولا تخفف ولا لبس ثوبا في طلب علم إلا غفر الله له ذنوبه حيث يخطو عتبة داره رواه الطبراني عن علي، وأمر بطلبه إن فقد في بلده ولو في آخر الدنيا فقال عليه السلام: اطلبوا العلم ولو بالصين رواه ابن عدي والبيهقي عن أنس.
وجعل أثره بعد موت صاحبه عملا مستمرا له وأجرا باقيا وثوابا جاريا في صحيفته فقال : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له رواه مسلم عن أبي هريرة.
ولئلا يفهم الناس أن المقصود من العلم هو علم العبادات والمناسك فقط حث القرآن في آياته على تتبع علوم الكون كله، واستنباط أسراره وتعلم قوانينه والاستفادة من نظامه ودقة نواميسه قال سبحانه: أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ الأعراف 185. وقال تعالى: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ آل عمران 191. وأشار في محكم تنزيله الى بعض علوم السماء والأرض، والنبات والحيوان، والأجنة والفلك، والسياسة والاجتماع، والمعاملات الاجتماعية والعلاقات الدولية..
ومن وحي هذه التعاليم الاسلامية لم تمض فترة وجيزة إلا وصار كل بيت قبلة، وكل سوق مدرسة، وانقلبت الصحاري والمراعي الى منابع للنور والحكمة وفنون العلم والمعارف، ثم انطلق المسلمون الى أصقاع الأرض ينشرون هذا العلم بين الناس، ويبصرونهم سبل سعادتهم، ويدلونهم على حقيقة إنسانيتهم، وأسرار خلقهم.. ويبثون حضارة ما عرفت الإنسانية أعظم منها هدفا ولا أنبل منها غاية ولا أرحم منها على بني الإنسان.
إنها رسالة الإسلام التي لخصها صاحبها عليه الصلاة والسلام بقوله: إنما بعثت معلما، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق رواه أحمد والحاكم عن أبي هريرة.
هذا وليحصل طالب العلم على ثمرات عمله على الوجه المطلوبـ،، وليبارك في جهوده، لا بد أن يطلب العلم متأدبا بآدابه التي نقطف منها هذه اللآلئ، وننظمها لكل متعلم:
1 »» آداب المتعلم مع العلم:
1 »» التماس مجالس العلم، وانتقاء اليانع من ثمراتها، والانتفاع بها على الوجه المطلوب.
عن ابن عباس ما قال: قال رسول الله : إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: مجالس العلم. رواه الطبراني.
2 »» الصدق في طلب العلم، وبذل الوقت والجهد في تحصيله، والإعراض عن كل ما يشغل عنه من لغو أو بطالة أو اقتراف لمعصية أو محرم. قال الشافعي رحمه الله:
شكوت الى وكيع سوء حفظي ***** فأرشدني الى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ***** ونور الله لا يهدى لعاصي
قال : إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟ قال أنا، فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك رواه الشيخان والترمذي.
وقد ذكر القرآن الكريم:
قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (60) الكهف.
أي مجدا مجتهدا، ومسافرا راحلا في طلب من هو أعلم مني لأزداد علما ولو استدام سفري عشرات السنين والأحقاب مسافرا في طلب العلم.
3 »» الإخلاص في طلب العلم، وإرادة وجه الله تعالى في تحصيله، وامتثال أمر رسوله ، والحذر من أن يكون حظه من العلم طلب عرض من الدنيا قليل.
عن ابن عمر ما عن النبي قال: من تعلم علما لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار رواه الترمذي.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة رواه أبو داود.
4 »» تزكية النفس وتطهيرها من رذائل الأخلاق واتباع الأهواء قبل طلب العلم، لأن العلم إذا نزل على نفس خبيثة زادها خبثا وصار ضررا على صاحبه وبلاء على الناس. قال الشاعر:
لا تحسبنّ العلم ينفع وحده ***** ما لم يتوّج ربّه بخلاق
وقال آخر:
لو كان للعلم من دون التقى شرف ***** لكان أشرف خلق الله إبليس
5 »» الابتعاد عن المراء، وتجنب الجدال بعد ظهور الحق، فإن المراء لا يأتي بخير، لأنه يضيع الوقت، ويقسي القلوب، ويورث الأحقاد، ويسبب البغضاء، وعلى المتعلم أن يبدي رأيه لمحدثه فإن اقتنع وإلا فليتوقف عن النقاش العقيم.
قال الله تعالى: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ العنكبوت 46.
وعن ابن عمر ما عن النبي قال: من طلب العلم ليباهي به العلماء، ويماري به السفهاء، أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار رواه ابن ماجه.
6 »» المحافظة على السمت الحسن، والاتزان والهدوء، ووقار العلم، وما يطبعه في النفس من خشية لله، ومعرفة بأقدار الناس. والابتعاد عن كل ما يخلّ بشرف العلم ومكانته في النطق والمشي والأمكنة والمعاملات.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والوقار، تواضعوا لمن تتعلمون منه رواه الطبراني.
7 »» طلب العلم النافع المفيد في دين المسلم أو دنياه أو آخرته، وتجنب العلوم التي انقضى زمانها، أو التي لا طائل منها، أو التي تضر المسلم في دينه، أو توقعه في الشك والإلحاد.
قال تعالى: وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ الشورى 14.
وعن زيد بن أرقم أن رسول الله كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها رواه مسلم.
8 »» تلقي العلم عن أهله الأكفاء، من العلماء الراسخين، والأتقياء الصالحين، وأخذ كل فن من المختصين به، المحسنين له.
عن أنس أن رسول الله قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم رواه الحاكم.
9 »» الصبر على التعلم والحفظ والمراجعة، واستغلال الوقت واكتساب الفراغ، قبل ذهابهما بما يستطيع من الاستزادة من العلم، قال سيدنا عمر ( تفقهوا قبل أن تسودوا).
10 »» السؤال عن كل ما استعصى عليه فهمه، والبحث في كل مسألة حتى يتقنها، وعدم الحياء في طلب العلم. فقد قيل لابن عباس ما بما نلت هذا العلم؟ فقال: بلسان سؤول، وقلب عقول. وقال مجاهد: لا يتعلم العلم مستح ولا مستكبر.
وعن عائشة ا قالت: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهنّ الحياء على أن يتفقهن في الدين.
11 »» التبكير الى مجالس العلم، والحرص على كل ما يرد فيها من أفكار ومعان وبركات، وتقييدها بالكتابة، وتصنيفها وتبويبها بعد مراجعتها في البيت.
قال الشافعي:
العلم صيد والكتابة قيد
قيّد صيودك بالحبال الواثقة
12 »» استكمال العدة اللازمة للدخول في عداد طلاب العلم ومنها ثمانية أشياء: الدليل: وهو المعلم الكامل، والزاد: وهو التقوى، والسلاح: وهو الوضوء، والسراج: وهو الذكر، والمنهاج: وهو الشريعة المحمدية، والهمة الصادقة القوية، والأخوة في الله المصاحبين بالصدق، وتجنب اتباع الهوى.
2 »» آداب المتعلم مع المعلم:
1 »» التواضع للمعلم ولو كان أصغر سنا، إذا ليس من الذل المكروه أن يتذل طالب العلم لمعلمه.
قال ابن عباس ما: ذللت طالبا، فعززت مطلوبا. وقال شعبة: كنت إذا سمعت من الرجل الحديث كنت له عبدا ما حييت.
2 »» احترام العالم وتقديره وإكرامه، والنظر اليه بعين الإكبار والإجلال والتعظيم.
قال الشافعي: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك صفحا رقيقا هيبة لئلا يسمع وقعها.
وقال الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر الي هيبة له.
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله علي وسلم:" ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا" رواه أبو داود والترمذي.
وعن عائشة ا قالت: أمرنا رسول الله أن ننزل الناس منازلهم. رواه مسلم.
3 »» القيام للعالم عند دخوله، وتقبيل يده احتراما ومحبة وتبركا وتقديرا.
قال الله تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) الحج.
وعن الوازع بن عامر قال: قدمنا، فقيل: ذلك رسول الله : فأخذنا بيده ورجليه نقبلهما. رواه البخاري.
وعن جابر أن عمر قبّل يد النبي . رواه ابن المقري.
وعن ابن عمر ما قصة قال فيها: فدنونا من النبي فقبلنا يده. رواه أبو داود.
وعن ابن جدعان قال ثابت لأنس : أمسست النبي بيدك؟ قال نعم. فقبّلها. رواه البخاري.
وعن صهيب قال: رأيت عليّا يقبّل يد العباس ورجليه. رواه البخاري.
وعن عائشة ا قالت: ما رأيت أحد أشبه سمتا ودلا وهديا برسول الله من فاطمة كرّم الله وجهها فكانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها فقبّلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته مجلسها. رواه أصحاب السنن.
وعن أبي سعيد أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ فأرسل إليه النبي فجاء، فقال: قوموا الى سيدكم وذكر الحديث رواه الشيخان وأبو داود.
4 »» التأدب في مجلس العالم بجلسته وكلامه، وحسن استماعه وسؤاله. قال الحسن لابنه: يا بني إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول.
5 »» تجنب الانصراف، ومغادرة مجلس العلم إلا بإذن من المعلم، فإذا أذن له فليستغفر الله لأن الأولى أن لا يغادر مممجلس العلم قبل انتهائه.
قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (62) النور.
6 »» الاستئذان في الصحبة، وطلب العلم من المعلم. وطاعته في كل ما يأمره به.
قال الله تعالى: قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (66) قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (69) الكهف.
7 »» القيام بحقوق المعلم على أكمل وجه، وقد جمعها الكثير من السلف الصالح نختار منها ما يلي: قال الإمام علي : من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة وتخصه بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيديك، ولا تغمز بعينك غيره، ولا تقولن قال فلان خلاف قوله، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا تطلبن عثرته، وإن زل قبلت معذرته، وعليك أن توقره لله تعالى وإن كانت له حاجة سبقت القوم الى خدمته، ولا تسارر أحدا في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه، ولا تلح عليه إذا ملّ، ولا تشبع من طول صحبته، فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء.
وقال علي بن الحسن ما: حق أستاذك عليك، التعظيم له، والتوقير لمجلسه وحسن الاستماع إليه، والإقبال عليه، وأن لا ترفع عليه صوتك، ولا تجيب أحدا يسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يجيب، ولا تحدث في مجلسه أحدا، وأن تدفع عنه إذا ذكره أحد عندك بسوء وأن تظهر مناقبه، ولا تجالس عدوه، ولا تعادي وليه، فإذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة الله بأنك قصدته وتعلمت علمه لله عز وجل لا للناس.
وقال الإمام الغزالي: آداب المتعلم مع العالم أن يبدأه بالتحية والسلام، وأن يقل بين يديه الكلام، ويقول له إذا قام، ولا يتكلم ما لم يسأل، ولا يسأل أولا ما لم يستأذن، ولا يعارض كلامه، ولا يشير عليه بخلاف رأيه، ولا يشاور جليسه في مجلسه، ولا يضحك عند مخاطبته، ولا يكثر الالتفات بحضرته، بل يجلس مطرقا ساكنا كأنه في الصلاة، ولا يستفهمه عن مسألة في طريقه، ولا يتبعه بكلامه وسؤاله، ولا يسيء الظن في أفعال ظاهرها منكرة له فهو أعلم بأسراره، وليذكر عند ذلك قول موسى للخضر عليهما السلام: ( أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا أمرا) وكونه مخطئا في إنكاره واعتراضه اعتمادا على ظاهره.
وقال بعض العلماء: من حق أستاذك عليك أن تتواضع له وتحبه حب الفناء، ولا تخرج عن رأيه وتوجيهه، وأن تشاوره فيما تقصده، وتتحرى رضاه فيما يعتمده، وتنظر اليه بعين الإجلال، وتعتقد فيه درجة الكمال، وأن تعرف حقه، ولا تنسى له فضله، وتحضر الى درسه قبل أن يأتي، ولا تتنقل أثناء درسه، ولا تتقدم في السير عليه، وأن تدعو له مدة حياته، وأن تصبر على صحبته، وتجلس بين يديه بسكون وتواضع واحترام، وأن تصغي إليه، وتنظر اليه مقبلا بكليتك عليه، غير ملتفت عنه، وأن لا تعبث بيديك أو رجليك أو أنفك أو دفترك أثناء كلامه، وأن تدفع الضحك والقهقهة والتثاؤب في حضرته، وأن تستأذن للدخول عليه وللانصراف من عنده، وأن تدخل عليه كامل الهيئة، متطهر البدن، نظيف الثياب، فارغا من الشواغل، حاضر القلب بذكر الله عز وجل وإرادة وجهه.
وقال الامام الشافعي:
أهين لهم نفسي فهم يكرمونها ***** ولن تكرم النفس التي لا تهينها
وقال شوقي:
قم للمعلم وفه التبجيلا ***** كاد المعلم أن يكون رسولا
أرأيت أعظم أو أجلّ من الذي ***** يبني وينشئ أنفسا وعقولا
وقال غيره:
أرى فضل أستاذي على فضل والدي وإن ***** نالني من والدي العزّ والتحف
فهذا مربي العقل والعقل جوهر ***** وهذا مربي الجسم والجسم من صدف
ترانيم عاشق
22-05-2006, 07:12 PM
آداب تلاوة القرآن الكريم
القرآن الكريم كتاب الله الخالد، وكلامه القديم، ومعجزة نبيه الكبرى، وجامعة الإسلام العظمى، وصفه الذي أنزله بالعلم: لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً (166) النساء. وبالحكمة: يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) يس. وبالكرم: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) الواقعة، وبالمجد: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) ق، وبالعزة: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) فصلت، وبالعظمة: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) الحجر، وبالبركة: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ ص 29، وبالتذكير: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) ص. وبالوضوح والتبيين: حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) الدخان.
وبين آثاره في الهداية والبشرى إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9) الإسراء. وفي الشفاء والرحمة: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ الإسراء 82، وفي التذكير والتقوى: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) الزمر، وفي الثبات على الحق: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102) النحل، وفي زيادة الإيمان: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) التوبة.
ووصفه الذي أنزل عليه وبيّن آثاره في كثير من أحاديثه الشريفة، منها ما روي عن علي قال: سمعت رسول الله يقول: أما أنها ستكون فتنة. قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ فقال: كتاب الله تعالى، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله تعالى، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله تعالى، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنفضي عجائبه، وهو الذي لم تنته اليه الجن إذ سمعته حتى قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي الى الرشد فآمنا به، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا اليه هدي الى صراط مستقيم. رواه الترمذي.
وعن محمد بن علي ما قال، قال رسول الله :" القرآن أفضل من كل شيء دون الله، وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، فمن وقّر القرآن فقد وقّر الله، ومن لم يوقّر القرآن لم يوقّر الله، وحرمة القرآن عند الله كحرمة الوالد على ولده، القرآن شافع مشفع، وما حل ـ أي خصم مجادل ـ مصدّق، فمن شفع له القرآن شفع، ومن محل بالقرآن صدق، ومن جعله أمامه قاده الى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه الى النار، وحملة القرآن هم المحفوفون برحمة الله، الملبسون نور الله، المعلمون كلام الله، من والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم فقد عادى الله. رواه القرطبي في تفسيره.
وقد أمر الله تعالى بتلاوته إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ النمل 91 »»92. ووعد عليها الخير الجزيل: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) فاطر. كما أمر النبي بتلاوته وبيّن ما أعد الله سبحانه وتعالى لمن قرأه من أجر عظيم منها شفاعته به فقال اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه رواه مسلم.
ومنها حصوله على ثروة عريضة من الحسنات التي تضاف الى رصيده عند تلاوة كل حرف من الكتاب الكريم، قال عليه الصلاة والسلام: من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: الم حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف رواه الترمذي. ومنها ارتقاؤه الى منزلة لا تنتهي رفعتها إلا عندما ينتهي من تلاوته قال : يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها رواه أبو داود والترمذي. ومنها نيله شهادة نبوية بتقليده أعلى وسام إلهي: إن لله أهلين من الناس، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته. رواه النسائي وابن ماجه.
إنه كتاب الله تعالى الدستور الجامع لأحكام الإسلام، والمنبع الصافي للعلم والخير والحكمة والنور والوسيلة المختصرة لمعرفة الله تعالى وقربه ورضاه والوصول الى حقائق التقوى ومعادن الإيمان. وفي الحديث الشريف إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوم ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد رواه الحاكم. وفي وصية رسول الله لأبي ذر عليك بتلاوة القرآن فإنه نور لك في الأرض، وذخر لك في السماء.
إنه رسالة الله العلي القدير، لهذا الإنسان الضعيف الجهول الفقير، لتأخذ بيده وتدله على سبيل النجاة، وتهديه الى صراط الله، وتمنحه السعادة في الدنيا والفوز في الآخرة.
عن جبير أن رسول الله قال: أبشروا فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبدا رواه الطبراني.
ولقد بوأ الله به المسلمين عندما تمسكوا به، وأخلصوا في تطبيق أوامره، وتنفيذ أحكامه ووصاياه، وانتهوا عن كل ما نه عنه، بوأهم مكانة الصدارة بين الأمم، وجعلهم مخلّصي الشعوب ومعلمي الأمم، وناشري الحضارة التي ما عرف التاريخ لها مثيلا، فكانوا بحق خير أمة أخرجت للناس.
وهذا كتاب الله تعالى تكفل بحفظه، وسخر عباده لتوثيقه، ليكون الدستور الخالد الى يوم القيامة إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) الحجر.
وصدق رسول الله إذ يقول: خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه رواه البخاري.
قال أحدهم:
قد حوى القرآن نورا وهدى ***** فعصى القرآن من لا يعقل
قل لقوم نبذوا أحكامه ***** ما لكم مما نبذتم بدل
فاسألوا التاريخ عن قرآنكم ***** يوم ضاءت بسناه السبل
فكأن الكون أفق أنتم ***** فيه بدر كامل لا يأفل
أو كأن الكون منكم روضة ***** وعلى الأغصان أنتم بلبل
إنه كتاب الله، منزلته كمنزلة منزله، وتعظيمه من تعظيم قائله، والأدب معه أدب مع الله سبحانه وحري بالمسلم أن يتعلم هذه الآداب ليلتزمها مع كتاب الله الكريم.
1 »» أن يقصد بقراءته وجه الله تعالى، وتعلم أحكام كتابه، وتنيفيذ أمر ربه بتلاوة القرآن الكريم.
قال ابن عباس : (إنما يعطى الرجل على قدر نيته).
قال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ البينة 5.
وعن ابن عمران قال: قال رسول الله : من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون به الناس رواه الترمذي.
وعن بريدة أن رسول الله قال: من قرأ القرآن يتأكّل به الناس جاء يوم القيامة ووجه عظم ليس عليه لحم. رواه البيهقي.
2 »» أن يكون على طهارة من الحدثين، فالطهارة من الجنابة والحيض والنفاس فرض لقراءة القرآن أو مس المصحف وحمله.
قال تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (80) الواقعة.
وعن علي أن رسول الله كان لا يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة. رواه أصحاب السنن.
وعنه قال: رأيت رسول الله توضأ ثم قرأ شيئا من القرآن، ثم قال: هكذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا، ولا آية رواه أحمد وأبو يعلى.
3 »» تنظيف الفم بالسواك وغيره، لأنه مجرى كلام الله تبارك وتعالى. قال قتادة ( ما أكلت الثوم منذ قرأت القرآن).
عن علي مرفوعا: إن أفواهكم طرق للقرآن فطيّبوها بالسواك رواه البزار.
4 »» يستحب للقارئ أن يجلس مستقبلا القبلة إذا تمكن من ذلك، لأنه ورد ( خير المجالس ما استقبل به القبلة) رواه الطبراني.
ويجوز أن يقرأ قائما أو ماشيا أو مضجعا أو في فراشه أو في الطريق أو على غير ذلك من الأحوال وله الأجر، وإن كان دون الأول.
5 »» طهارة المكان والثياب ونظافتهما، والتجمل والتطيب استعدادا لمناجاة الله تعالى بتلاوة كلامه.
6 »» التعوذ والبسملة قبل البدء بالتلاوة.
قال تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) النحل.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : كل أمر ذي بال لا يبدأ ببسم الله فهو أجذم رواه أبو داود وابن ماجه والنسائي.
7 »» المداومة على قراءة القرآن، بالتزام ورد يومي وإن قلّ، وتجنب هجران القرآن ونسيان تلاوته. قال سيدنا عثمان بن عفان : لو أن قلوبنا طهرت ما شبعت من كلام ربنا عز وجل، وإني لأكره أن يأتي عليّ يوم لا أنظر في المصحف.
قال تعالى: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (30) الفرقان.
وعن أبي موسى أن النبي قال: تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفس محمد بيده لهو أشدّ تفلتا من الإبل في عقلها متفق عليه.
8 »» الإقبال بشغف وشوق ومحبة على كلام الله تعالى حتى يتملك عليه مشاعره وأحاسيسه، وقلبه وفكره وروحه، ويعين على ذلك طرح كل ما يشغله من أفكار أو كلام أو هموم الحياة الدنيا، وخصوصا في صلاة الليل.
قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ الزمر 23.
عن ابن مسعود قال: قال رسول الله : من أحبّ أن يحبّه الله ورسوله فلينظر فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله رواه الطبراني.
9 »» تحسين الصوت وتزيينه عند التلاوة، والتغني بالقرآن ليكون أشد وقعا، وأكبر تأثيرا في القلوب.
عن أبي هريرة قال:" سمعت رسول الله يقول: ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به متفق عليه.
وعن البراء بن عازب عن النبي قال: زيّنوا القرآن بأصواتكم رواه أبو داود والنسائي.
وعن أبي لبابة أن النبي قال: من لم يتغنّى بالقرآن فليس منا رواه أبو داود.
10 »» قراءة القرآن حسب قواعد التجويد، وترتيله على النحو الذي وضعه علماء القرآن بتأديته حرفا حرفا، من غير استعجال، وكما ورد عن السلسلة المتصلة بالنبي في تلقي القرآن الكريم، قال ابن الجزري:
والأخذ بالتجويد حتم لازم ***** من لم يجوّد القرآن آثم
لأنه به الإله أنزله ***** وهكذا منه إلينا وصله
وقد سئل سيدنا علي عن ترتيل القرآن الكريم فقال: هو تجويد الحروف، ومعرفة الوقوف.
قال تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4) المزمل.
وعن أم سلمة ا أنها نعتت قراءة النبي قراءة مفسرة حرفا حرفا. رواه أبو داود.
وعن عائشة ا قالت: قال رسول الله : الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران متفق عليه.
11 »» التدبّر:
قال السيوطي: صفة التدبر أن يشغل القارئ قلبه بالتفكر في معنى ما يتلفظ به فيعرف معنى كل آية، ويتأمل الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك، فإن كان قصر عنه فيما مضى من عمره اعتذر واستغفر، وإذا مر بآية عذاب أشفق وتعوّذ، أو تنزيه نزّه وعظّم، أو دعاء تضرع وطلب.
وقال الحسن البصري: إن من كان قبلكم ـ يعني الصحابة ـ رأوا أن هذا القرآن رسائل إليهم من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها في النهار.
وقال علي : لا خير في عبادة لا فقه فيها، ولا في قراءة لا تدبر فيها.
وقال ابن عباس ما: لأن أقرأ إذا زلزلت والقارعة أتدبرهما، أحب إليّ من أقرأ البقرة وآل عمران تهذيرا.
وقال ابن مسعود : من أراد علم الأولين والآخرين، فليتدبر القرآن.
وقد بات الكثير من السلف يتلو أحدهم آية واحدة ليلة كاملة، يرددها ليتدبر ما فيها، وكلما أعادها انكشف له من معانيها، وظهر له من أنوارها، وفاض عليه من علومها وبركاتها.
قال الأحنف بن قيس: عرضت نفسي على القرآن، فلم أجد نفسي بشيء أشبه مني بهذه الآيةوَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ التوبة 102.
قال تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (29) ص.
وقال عز وجل: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) محمد.
وقال سبحانه: وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً (106) الإسراء.
وقال عز من قائل: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (17).
وعن عوف بن مالك قال: قمت مع النبي ليلة فقرأ سورة البقرة لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوّذ" رواه النسائي وأبو داود.
وعن أبي ذر قال: قام رسول الله بنا ليلة فقام بآية يرددها وهيإِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) المائدة.
12 »» خشوع القلب، وإطراق الرأس، وسكون الجوارح، واستحضار عظمة منزلة القرآن، والبكاء من خشية الله تعالى، فإن لم يبك فليستجلب البكاء وليحاول ذلك عندما يكون خاليا فإنه أبعد من الرياء.. قال الحسن: كان عمر بن الخطاب يمر بالآية من ورده بالليل فيبكي حتى يسقط، ويبقى في البيت حتى يعاد للمرض..
قال تعالى: لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ الحشر 21.
وقال عز وجل: وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ المائدة 83.
وقال سبحانه: وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (109) الإسراء.
وقال سبحانه: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً (58) مريم.
وعن ابن مسعود لما قرأ على رسول الله قال ابن مسعود: فالتفتّ فإذا عينا رسول الله تذرفان. رواه الشيخان.
وعن سعد قال: سمعت رسول الله يقول: إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا وتغنّوا به فمن لم يتغنّ بالقرآن فليس منا رواه ابن ماجه.
وعن أبي هريرة قال: لما نزلت أفمن هذا الحديث تعجبون، وتضحكون ولا تبكون بكى أصحاب الصفة حتى جرت دموعهم على خدودهم. رواه البيهقي.
13 »» العمل بالقرآن، إئتمارا بأمره، وانتهاء عن نواهيه، وتنفيذا لوصاياه، ووقوفا عند حدوده.
قال ابن مسعود : كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن.
وقال ابن عمر ما: لقد عشنا برهة من الدهر وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة فيتعلم حلالها وحرامها، وأوامرها وزواجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، ولقد رأينا رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب الى خاتمته لا يدري ما آمره وما زاجره، وما ينبغي أن يقف عنده، ينثره نثر الدّقل ـ أي رديء التمر ويابسه ـ.
قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ البقرة 121.
وعن أبي ذر قال: قال لي رسول الله : يا أبا ذر، لأن تغدو فتتعلم آية من كتاب الله خير من أن تصلي مائة ركعة. رواه ابن ماجه.
وعن عبدالله بن عمرة ما قال: قال رسول الله : اقرأ القرآن ما نهاك، فإن لن ينهك فلست تقرؤه. رواه الطبراني.
وعن صهيب أن رسول الله قال: ما آمن بالقرآن من استحلّ محارمه رواه الترمذي.
14 »» قراءة القرآن مع النظر في المصحف، لتجتمع له عبادتا القراءة والنظر، وقد قال ابن مسعود : أديموا النظر في المصحف.
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال: أعطوا أعينكم حظها من العبادة . قالوا: وما حظها من العبادة؟ قال: النظر في المصحف، والتفكر فيه، والاعتبار عند عجائبه رواه البيهقي.
15 »» الإصغاء والإستماع والإنصات عند تلاوة القرآن، لأن ذلك أدنى للفهم والتأمل بما في آيات الله من وعد ووعيد، وتبشير وتهديد، وحكمة وموعظة، وأمر ونهي، وأقرب لإحراز رحمة الله تعالى:
قال تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) الأعراف.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : من استمع الى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلا آية من كتاب الله كانت له نورا يوم القيامة رواه أحمد.
16 »» تجنب كل ما يخل بالخشوع مع جلال القرآن أثناء التلاوة أو السماع، كالضحك والتثاؤب والعبث بالثياب أو الأعضاء، وفرقعة الأصابع، والتحدث الى الآخرين دون حاجة.. إلخ ويمسك عن القراءة إذا غلبه التثاؤب لأنه في حضرة الخطاب الإلهي، والتثاؤب من الشيطان.
قال مجاهد: إذا تثاءبت وأنت تقرأ القرآن فأمسك عن القراءة إجلالا للقرآن حتى يذهب تثاؤبك.
17 »» العمل على حفظ القرآن الكريم واستظهاره، وإن من أعظم النعم الإلهية أن جعل الله تعالى قلوب عباده المؤمنين أوعية لكلامه، وصدورهم خزائن لآياته، يتلونها آناء الليل وأطراف النهار.
وقال العلماء إن حفظ ما تجوز به الصلاة فرض عين على كل مكلف، وحفظ فاتحة الكتاب وسورة واجب، وحفظ سائر القرآن فرض كفاية، وسنة عين أفضل من سنة النفل.
قال تعالى: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ العنكبوت 49.
وعن عليّ أن النبي قال: من قرأ القرآن فاستظهره، فأحلّ حلاله، وحرّم حرامه أدخله الله الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت لهم النار رواه الترمذي.
وعنه قال: قال النبي : إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب رواه الترمذي.
وعن ابن عباس ما قال: قال رسول الله : أشراف أمتي حملة القرآن وأصحاب الليل رواه البيهقي والطبراني.
18 »» التأدب بآداب الحفظة إذا منّ الله عليه بحفظ كتابه، وإلا سلبت منه هذه الفضيلة العظمى، قال الفضيل بن عياض: حامل القرآن حامل راية الإسلام فلا ينبغي مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو، تعظيما لحق القرآن.
وقال ابن مسعود: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون هينا لينا، ولا ينبغي له أن يكون جافيا ولا مماريا ولا صياحا ولا صخابا.
عن ابن عمر ما أن رسول الله قال: من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه، غير أنه لا يوحى إليه، ولا ينبغي لصاحب القرآن أن يجد مع من وجد، ولا يجهل مع من جهل وفي جوفه كلام الله تعالى . رواه الحاكم.
19 »» إن مما يعين على حفظ القرآن الكريم الابتداء بحفظه منذ الصغر، وتفريغ الذهن له باغتنام الأوقات المباركة في الأسحار، وترتيله والتغني به في صلاة الليل، وسماعه من أفواه المقرئين المجيدين ومحاولة تقليد أحدهم، وتدبر المعنى ومعرفة أسباب النزول، وتجزيء القرآن الى أرباع أحزاب ووضع برنامج محدد للحفظ، والمحافظة على الورد اليومي مهما كانت الأعذار، والتزام معلم للقرآن يسمع منه ما حفظه كل يوم، والتكرار الكثير وعدم الملل أو اليأس إذا صعبت عليه بعض الآيات، والحفظ في مصحف معين والالتزام به ويفضل مصحف الحفاظ، وسؤال الله تعالى بالصدق والعزم أن يكرمه بحفظظ كتابه، والتقوى وتطهير النفس والقلب مما سوى الله.
عن عبيدة المليكي أن رسول الله قال: يا أهل القرآن لا تتوسدوا القرآن، واتلوه حق تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، وأفشوه وتغنوا به، وتدبروا ما فيه لعلكم تفلحون، ولا تعجلوا ثوابه فإن له ثوابا رواه البيهقي والطبراني وأبو نعيم.
20 »» الحرص على الحفظ من النسيان، بالتلاوة المستمرة، والتكرار اليومي للمحفوظات من القرآن الكريم، واجتناب الذنوب والمحرمات، لأن القرآن لا يستقر في القلوب الغافلة.
عن أنس قال: قال رسول الله : عرضت عليّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل ثم نسيها رواه الترمذي وأبو داود.
وعن ابن عمر ما أن رسول الله قال: إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعلقة إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت متفق عليه.
21 »»إجابة بعض الآيات عند سماعها أو تلاوتها ببعض الأكار أو الكلمات الواردة ومنها بعد يا أيها الذين آمنوا..
يقول: لبيك ربي وسعديك
بعد الفاتحة يقول: آمين
بعد البقرة يقول: آمين
بعد كل آية فبأي آلاء ربكما تكذبان من سورة الرحمن يقول:
ولا بشيء من نعمك نكذب فلك الحمد.
بعد القيامة يقول: بلى هو قادر.
بعد الملك يقول: الله رب العالمين.
بعد المرسلات يقول: آمنت بالله.
بعد سبّح اسم ربك الأعلى يسبّح ثلاثا.
بعد فألهمهما فجورها وتقواها يقول: اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها.
بعد التين يقول: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين.
بعد إن الله وملائكته يصلون على النبي.. الآية يصلي على النبي .
بعد آية سجدة يسجد إن كان متوضأ، وإلا قال ( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) ثلاثا.
وبعد آية تنزيه: يسبح، وبعد آية دعاء يدعو وينيب، وبعد آية استغفار يستغفر ويتوب..
22 »»الدعاء بعد كل تلاوة بما يتناسب والآيات التي تلاها، ويتأكد الدعاء بعد ختم القرآن الكريم فهو مظنة الاستجابة، قال مجاهد: كانوا يجتمعون عند ختم القرآن ويقولون: تنزل الرحمة.
عن أنس أنه كان إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا. رواه أبو داود.
وعنه مرفوعا: من قرأ القرآن وحمد الرب وصلى على النبي واستغفر ربه فقد طلب الخير مكانه. رواه البيهقي.
23 »» يسن إذا فرغ من الختمة أن يشرع في ختمة جديدة مباشرة ليكون متواصل القراءة دون فترة أو مهلة أو تقاعس بعد الختمة..
قال :" أحب الأعمال الى الله قال الحال المرتحل الذي يضرب من أول القرآن الى آخره كلما ارتحل" رواه الترمذي.
وعن ابن عباس، وأبيّ بن كعب م أن النبي كان إذا قرأ قل أعوذ برب الناس فتح من الحمد، ثم قرأ من البقرة وأولئك هم المفلحون ثم دعا بدعاء الختمة ثم قام" رواه الدارمي.
ترانيم عاشق
22-05-2006, 07:14 PM
فضائل بعض سور القرآن الكريم
1 »» سورة الفاتحة: عن رافع بن المعلى قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟" فأخذ بيدي، فلما أردنا أن نخرج قلت يا رسول الله إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن؟ قال:" الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" رواه البخاري.
وتسمى سورة الفاتحة بسورة ( أم الكتاب، وسورة الصلاة، وسورة المناجاة، وسورة الكافية، وسورة الشافية)..
2 »» سورة البقرة وآل عمران: عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله يقول: اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما من طير صواف تحاجان عن صاحبهما، اقرؤوا البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة رواه مسلم.
الغياية: هي ما أظلك من فوقك، البطلة: أي السحرة، فهي حصن منهم.
هذا ومن الآيات الفضيلة في سورة البقرة آية الكرسي أعظم آية في القرآن، وخواتيم هذه السورة. ومن الآيات الفضيلة في سورة آل عمران أولها، وآية ( شهد الله)، وآية (قل اللهم) وآيات ( إن في خلق).
3 »» سورة الكهف: عن أبي سعيد الخدري أن النبي قال: من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين رواه الترمذي.
4 »» سورة يس: عن أنس أن النبي محمد قال: إن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس رواه الترمذي.
وعن جندب قال: قال رسول الله : من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه الله تعالى غفر له رواه مالك وابن حبان.
5 »» سورة الواقعة: عن ابن مسعود أن رسول الله قال: من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا رواه البيهقي.
6 »» سورة تبارك: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسام: من قرأ سورة ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي تبارك الذي بيده الملك. رواه أصحاب السنة.
وعن ابن عباس ما، عن النبي قال: هي المانعة، هي المنجية، تنجيه من عذاب القبر يعني تبارك رواه الترمذي.
7 »» سورة الإخلاص: عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال في: قل هو الله أحد: والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن رواه البخاري.
وعن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله إني أحب هذه السورة: قل هو الله أحد قال: إن حبها أدخلك الجنة رواه الترمذي.
8 »» المعوذتان: عن عقبة بن عامر أن رسول الله قال: ألم تر آيات انزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط؟ قل أعوذ برب الفلق، و قل أعوذ بر الناس رواه مسلم.
وعن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله لم يتعوذ من الجان، وعين الإنسان، حتى نزلت المعوذتان، فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما" رواه الترمذي.
وينبغي لمن لا يطيق حفظ القرآن الكريم كاملا، أن يحاول حفظ بعض السور الفضيلة وقراءتها في الصلوات، وعند الصباح والمساء ومنها: الكهف ويس والدخان والرحمن والواقعة والملك وجزء عم.
********
آداب ذكر الله تعالى
ذكر الله تعالى هو روح جميع العبادات، وهو المقصود من كل الطاعات والقربات، وهو أفضل من جميع الأعمال الصالحات، وهو منتهى حياة المؤمن ونورها وغايتها وخلاصتها في الدنيا والآخرة. قال تعالى: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ العنكبوت 45. وقال سبحانه وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) طه 14، وقال: وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ البقرة 203.
روي عن معاذ عن النبي أن رجلا سأله أي المجاهدين أعظم أجرا؟ قال: أكثرهم لله تعالى ذكرا. قال: فأي الصالحين أعظم أجرا؟ قال: أكثرهم لله تعالى ذكرا. ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة كل ذلك ورسول الله يقول: أكثرهم لله تعالى ذكرا. فقال أبو بكر لعمر: يا أبا حفص ذهب الذاكرون بكل خير فقال : أجل. رواه أحمد والطبراني.
وقال رسول الله : ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا بلى، قال: ذكر الله تعالى رواه الترمذي عن أبي الدرداء. وقال: أحب الأعمال الى الله أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله رواه ابن حبان والطبراني عن معاذ.
ولكل عبادة من العبادات وقت معيبن وشروط محددة، ولكن ذكر الله تعالى لا يحدده مكان، ولا يحدده زمان، ولكنه مطلوب على جميع الأحوال، وفي كل الأوقات، قال تعالى الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ آل عمران 191. (وقد كان رسول الله ذكر الله على كل أحيانه) رواه مسلم عن عائشة. وقد أوحى الله لموسى يا موسى أتحب أن أسكن معك بيتك؟ فخر لله ساجدا ثم قال: يا رب وكيف ذلك؟ فقال يا موسى: ( أما علمت أني جليس من ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني).
ولم يطلب الله سبحانه من عبادة الإكثار من شيء، إلا ذكر الله فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (42) الأحزاب. وقال: وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ (45) الأنفال، وقال: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (35) الأحزاب.وقال : سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات رواه مسلم عن أبي هريرة.
وقال معاذ بن جبل : ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله تعالى فيها. بل إنه جعل إحدى علامات المنافقين أنهم يذكرون الله تعالى ولكنه الذكر القليل الذي لا يثمر محبة، ولا يورث خشية، ولا يحدث تقوى ولا إيمانا قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142) النساء.
وإذا كان الإيمان شجرة باسقة جذورها العقيدة الصحيحة باله، وفروعها العمل الصالح النافع، وثمارها الأخلاق الكريمة الطيبة، فإن ماءها الذي تسقى به والذي فيه استمرار حياتها إنما هو ذكر الله تعالى قال عليه الصلاة والسلام: مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت رواه البخاري. وقال: والذي نفسي بيده إن القرآن والذكر ينبتان الإيمان في القلب كما ينبت الماء العشب رواه الديلمي.
ومن بين شرائع الإسلام الحقة انتقى منها معلمها الأول أنفعها وأكثرها ضرورة للتمسك به، والثبات عليه، ( فقد جاء رجل اليه وقال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، فأخبرني بشيء أتشبث به؟ قال: لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله رواه الترمذي). كيف لا وذاكر الله تعالى جليس ربه الذي يفيض عليه من علمه وحكمته ومراقبته بحسب صلته به وقوة توجهه إليه، قال تعالى: فاذكروني أذكركمالبقرة 151. وقال في الحديث القدسي ( أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه) رواه البيهقي وابن حبان عن أبي هريرة. وقال عليه الصلاة والسلام: إن ذكر الله شفاء، وإن ذكر الناس داء رواه البيهي، وقال أحد الصالحين: إني أعلم متى يذكرني ربي سبحانه، ففزعوا منه وقالوا: وكيف تعلم ذلك؟ فقال: إذا ذكرته ذكرني.
وذكر الله تعالى هو العاصم من الوقوع في الخطايا، وهو الوازع للنفس يكفها عن غفلتها وميلها الى الباطل، واتباعها للهوى، قال تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) الكهف. وقال عليه الصلاة والسلام: من أصبح وأمسى ولسانه رطب من ذكر الله يمسي ويصبح وليس عليه خطيئة رواه الأصبهاني عن أنس.
وذكر الله تعالى هو العمل المرتجى للنجاة من عذاب الله تعالى، إذ أن أشد العذاب الذي يصيب الإنسان إنما يأتيه بسبب الغفلة عن الله، وما وقع من وقع، ولا زل من زل، ولا أذنب من أذنب إلا بسبب غفلته عن الله تعالى قال الله عز وجل: وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) الزخرف، وقال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (126) طه. وقال : ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله، قالوا يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا ان تضرب بسيفك حتى ينقطع، ثم تضرب به حتى ينقطع، ثم تضرب به حتى ينقطع رواه مسلم.
ومجالس الذكر التي يجتمع عليها الذاكرون، فتلتقي أرواحهم في بوتقة واحدة، ويستمد ضعيفها من قويها، وتستمد جميعها من مصدر الخير والكمال والفضل والعطاء، والنور والهدى والإيمان، هي رياض الجنة، ومجالس الرضوان قال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ الكهف 28، وقال : لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده رواه مسلم.
وعن أبي سعيد الخدري عن النبي أنه فيما يرويه عن ربه: يقول الله تعالى يوم القيامة: سيعلم أهل الجمع اليوم من أهل الكرم؟ قيل: من أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: أهل مجالس الذكر في المساجد رواه أبو يعلى وأحمد.
وأي شرف أعظم لهذا الإنسان الضعيف، من قول الملك العظيم، الكريم الحلي حين يخاطبه في الحديث القدسي فيقول: ( إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه، وإذا تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، وإذا تقرّب مني ذراعا تقربت منه باعا، وإذا مشى إلي هرولت إليه) متفق عليه عن أبي هريرة، ويقول: ( يا ابن آدم إذا ذكرتني شكرتني وإذا نسيتني كفرتني) رواه الطبراني والديلمي عن أبي هريرة.
ويقول: ( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) رواه البخاري والبزار والبيهقي عن ابن عمر.
وإذا كان الذكر هو الصلة الروحية بين العبد وربه، فلا بد للوصول بها الى مرتبة القبول، ولتؤتي ثمارها على الوجه الأفضل، من آداب يلتزمها الذاكر بين يدي خالقه ومولاه نذكر منها:
1 »» الوضوء قبل الذكر، قال سيدنا عمر ( إن الوضوء الصالح يطرد عنك الشيطان).
2 »» الجلوس باتجاه القبلة ساكنا خاشعا، استعدادا لمناجاة الله تعالى.
3 »» إرادة وجه الله تعالى بذكره، وامتثال أمره وطاعته، وابتغاء مرضاته، دون الالتفاف الى شيء من حظوظ النفس، أو مراءاة الناس، أو مراقبة الآخرين.
قال تعالى: قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُآل عمران29.
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام. قال: وما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم بتهمة لكم، ولكن أتاني جبريل فأخبرني ان الله عز وجل يباهي بكم الملائكة رواه مسلم.
4 »» الابتداء بتطهير النفس بالاستغفار والتوبة الى الله من كل الذنوب والخطايا والغفلات.
قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) آل عمران.
وعن الأغرّ المزني أن رسول الله قال: إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة رواه مسلم.
5 »» يفضل إغماض العينين، لئلا يشتغل بشيء من متاع الدنيا، ولصرف القلب والفكر الى تدبر معاني الذكر، ومراقبة الله سبحانه وتعالى.
6 »» إختيار الأوقات المناسبة لذكر الله تعالى، والتي يكون فيها المرء خاليا من الشواغل، ونفسه مستعدة لتلقي النور والفيض الإلهي، وقلبه مشتاق لمناجاة الله تعالى، كأوقات السحر، والأصيل، وعقب الصلوات المكتوبة، وفي الليالي المباركة، والأيام الفضيلة..
قال تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (25) الإنسان.
وقال سبحانه: وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (26) الإنسان.
وقال سبحانه: الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ (17) آل عمران.
وعن أبي هريرة أن رسول الله قال فيما يرويه عن ربه: ابن آدم اذكرني بعد الفجر وبعد العصر ساعة أكفك ما بينهما رواه مسلم وأبو نعيم.
وعن أنس بن مالك أن رسول الله قال: من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم يصلي ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة رواه الترمذي وأحمد.
وعن عمرو بن عنبسة أنه سمع النبي يقول: أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله تعالى في تلك الساعة فكن رواه الترمذي وأبو داود.
7 »» استحضار عظمة الله وجلاله، وأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، بحسب حالة الذكر والفتح الذي يفتح عليه فيه، والتفكير في كل لفظ يذكره، ومراقبة القلب يردده مع اللسان، حتى يصل الى الهيبة والتضرع والعبودية الحقة، ولا يفرغ حتى يشعر بطمأنينة القلب بذكر الله تعالى.
قال أحد العارفين: لا اعتداد بذكر اللسان ما لم يكن ذلك من ذكر في القلب، وذكره تعالى يكون لعظمته فيتولد منه الهيبة والإجلال، وتارة لقدرته فيتولد منه الخوف والخشية، وتارة لنعمته فيتولد منه الحب والشكر، وتارة لأفضاله الباهرة فيتولد منه التفكير والاعتبار، فحق للمؤمن أن لا ينفك أبدا عن ذكره على أحد هذه الأوجه.
قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ الأنفال 2.
وقال تعالى: وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ (205) الأعراف.
وقال تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الرعد.
وعن العباس أن رسول الله قال: إذا اقشعرّ جلد العبد من خشية الله تحاتّت عنه خطاياه كما يتحاتّت عن الشجرة البالية ورقها رواه الطبراني.
8 »» يستحب البكاء مصاحبا لذكر الله تعالى، ويساعد عليه التوجه الكلي الى الله عز وجل حتى يمتلئ القلب من خشية الله، أو ذكر تقصيره في جنب الله وما مضى من عمره وهو في الغافلين.
عن أنس قال: قال رسول الله : عينان لا تمسهما النار أبدا، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله رواه أبو يعلى.
عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله ـ وذكر منهم ـ ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه متفق عليه.
وعن أبي أمامة قال: ليس شيء أحب الى الله تعالى من قطرتين وأثرين، قطرة دموع من خشية الله، وقطرة دم تهراق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله تعالى، وأثر في فريضة من فرائض الله تعالى" رواه الترمذي.
9 »» أفضل الذكر ما كان خفيا في القلب، وسريّا في أعمالق النفس، وذلك بملاحظة القلب بذكر اسم الله تعالى مع كل نبضة من نبضاته، وملاحظة نور الله تعالى يتدفق إليه مع كل قطرة تفد إليه.
قال الجنيد من الأعمال ما لا يطلع عليه الحفظة، وهو ذكر الله بالقلب وما طويت عليه الضمائر من الهيبة والتعظيم واعتقاد الخوف وإجلال أوامره ونواهيه.
وقال الشيخ محيي الدين بن العربي: واشتغل بذكر الله بأي نوع شئت من الأذكار وأعلاها ـ قدرا ورتبة ونتيجة ـ الاسم الأعظم وهو قولك: الله. الله. الله لا تزيد شيئا، ولكن ذكرك الاسم الجامع الذي هو الله الله الله، وتحفّظ أن يفوه به لسانك وليكن قلبك هو القائل، ولتكن الأذن مصغية لهذا الذكر..
وقال النووي: الذكر يكون بالقلب ويكون باللسان، والأفضل ما كان بالقلب والسان جميعا، فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل.
وقال الغزالي: اعتكفت أذكر الله تعالى بهذا الاسم: الله، الله، حتى انكشفت لي العوالم فرأيت ما أبوح به وما لا يمكن أن أبوح به.
قال تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (8) المزمّل.
وقال تعالى: وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ الأعراف 205.
وقال سبحانه: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا الكهف 28.
وقال سبحانه: قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) الأنعام.
وعن سعد عن النبي قال: خير الذكر الخفيّ، وخير الرزق ما يكفي رواه البيهقي وابن حبّان.
وعن ضمرة بن حبيب أن رسول الله قال: اذكروا الله ذكرا خاملا. قيل وما الذكر الخامل؟ قال: الذكر الخفيّ رواه ابن المبارك.
وقال أحدهم:
بقلب فاذكر الله خفيّا ******* عن الخلق بلا حرف وقال
وهذا الذكر أفضل كل ذكر ****** بهذا قد جرى قول الرجال
10 »» مطالبة النفس بثمرات الذكر بعد الفراغ منه، وذلك بالمحافظة على الطاعات، ومجانبة اللهو واللغو والإثم والمحرمات، والاستقامة في الأقوال والأفعال والمعاملات.
قال الحسن : الكر ذكران: ذكر الله تعالى بين نفسك وبين الله عز وجل ما أحسنه وما أعظم أجره، وأفضل من ذلك ذكر الله سبحانه عند ما حرم الله عز وجل.
وقال أحد العارفين: المؤمن يذكر الله تعالى بكله، لأنه يذكر الله بقلبه فتسكن جميع جوارحه الى ذكره فا يبقى منه عضو إلا وهو ذاكر في المعنى، فاذا امتدت يده الى شيء ذكر الله فكف يده عما نهى الله عنه، وإذا سعت قدمه الى شيء ذكر الله فغض بصره عن محارم الله، وكذلك سمعه ولسانه وجوارحه مصونة بمراقبة الله تعالى، ومراعاة أمر الله، والحياء من نظر الله، فهذا هو الذكر الكثير الذي أشار الله إليه بقوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (42) الأحزاب.
وقال سبحانه: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) العنكبوت.
وعن أنس أن رسول الله صلى الله قال فيما يرويه عن ربه سبحانه: من ذكرني حين يغضب، ذكرته حين أغضب، ولا أمحقه فيمن أمحق رواه الديلمي.
وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله : من أحبّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان رواه أبو داود.
11 »» اختتام الذكر بالصلاة على النبي وبالدعاء.
12 »» يستحب الاجتماع على الذكر، لما فيه من حث الهمم على الطاعة، وتقوية الضعيف وإعانته على نفسه، والتقاء القلوب وتغذية ذاكرها لغافلها، وإشاعة جو الألفة والمحبة في الله، واكتساب بركة الجماعة، وإظهار لشعائر الله وأركان الدين.
قال تعالى: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ المائدة 2.
وعن أبي هريرة أن رسول الله قال فيما يرويه عن ربه: أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم رواه البيهقي.
وعن أبي الدرداء أن رسول الله قال: ليبعثنّ الله أقواما يوم القيامة في وجوههم النور على منابر اللؤلؤ يغبطهم الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء.
قال: فجاءنا أعرابي على ركبتيه فقال: يا رسول الله حلّهم لنا لنعرفهم، قال: هم المتحابون في الله من قبائل شتى وبلاد يجتمعون على ذكر الله ويذكرونه رواه الطبراني.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ما قعد قوم مقعدا لم يذكروا الله ولم يصلوا على النبي فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة رواه الترمذي.
ترانيم عاشق
22-05-2006, 07:16 PM
بعض الأذكار المسنونة
1 »» أستغفر الله: قال تعالى: ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً (11) نوح.
وقال تعالى: كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) الذاريات.
وعن ابن عباس ما قال: قال رسول الله : من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه الله من حيث لا يحتسب رواه أبو داود.
وعن ثوبان قال: كان رسول الله إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثا وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام رواه مسلم.
2 »» لا اله إلا الله: قال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19) محمد. وعن عمير بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي قال: خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا اله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير رواه الترمذي.
وعن أبي أيوب الأنصاري عن النبي قال: من قال لا اله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شي قدير كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل متفق عليه.
3 »» التسبيح والتحميد والتكبير: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان الى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم متفق عليه.
وعنه قال: قال رسول الله : لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله ولا اله إلا الله، أحب اليّ مما طلعت عليه والشمس رواه مسلم.
وعنه عن رسول الله : من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبّر الله ثلاثا وثلاثين، وقال تمام المائة: لا اله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر رواه مسلم.
4 »» لا حول ولا قوة إلا بالله: عن أبي موسى قال: قال لي النبي : ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ فقلت بللى يا رسول الله. قال: قل لا حول ولا قوة إلا بالله متفق عليه.
5 »» الصلاة على رسول الله: قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56) الأحزاب.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه عشرا رواه مسلم.
وعن ابن مسعود أن رسول الله قال: إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة رواه النسائي وابن حبان والترمذي.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي رواه الترمذي.
وعن جابر قال: قال رسول الله : من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة رواه البخاري وأحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ما من أحد يسلم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أرد له السلام رواه أبو داود.
* * *
آداب الدعاء
عن أنس عن النبي قال:" الدعاء مخ العبادة" رواه الترمذي، ويطلق المخ على الخالص من الشيء، ذلك أن كل عابد لله سبحانه ربما سما قلبه، وغفل لبه، إلا الذي يدعو ربه فإنه حاضر معه، متضرع بين يديه، خاشع له ظاهره وباطنه، وهذه غاية العبودية لله تعالى، وهي أشرف أحوال الإنسان، وأفضلها، وأسعدها..
ولقد جاء رجل الى النبي فقال: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه، فسكت عنه، فأنزل الله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) البقرة.
وقد بشّر سبحانه وتعالى عباده بسعة فضله، وعظيم جوده وكرمه، باستجابة لدعائهم، وسماعه لطللبهم، فقال: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) غافر.
بل حذر سبحانه عباده من نسيان الدعاء، وترك التضرع، والإعراض عن الالتجاء الى الله، فقال: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً (77) الفرقان.
وإذا كان الخلاف في الدعاء وهل يرد القضاء، أو يغير في قوانين الله ونواميسه شيئا، فإنه مما لا خلاف فيه أنه التجاء الضعيف الى القوي، ورجاء الفقير من الغني، وتضرع من لا يملك من الأمر سببا الى مفتح الأبواب ومسبب الأسباب. قال النبي : لن ينفع حذر من قدر، ولكن الدعاء ينفع مما نزل وما لم ينزل، فعليكم بالدعاء عباد الله رواه أحمد والطبراني. وقال عليه الصلاة والسلام: الدعاء يردّ البلاء. رواه أبو الشيخ عن أبي هريرة.
وامتثال أمر الله تعالى وأمر رسوله بالدعاء، والمسارعة الى ما يحبه الله سبحانه، ومما يحبه من عباده التوسل اليه والضراعة بين يديه، أفضل من الجدال العقيم، في فائدة الدعاء، وجدوى الرجاء، وهل ترد من قضاء الله شيئا، قال عليه الصلاة والسلام: ليس شيء أكرم على الله عز وجل من الدعاء رواه الترمذي عن أبي هريرة.
والقرآن الكريم، والأحاديث النبوية، ملأى بنماذج من الدعاء، ورقائق من الاتجاء، وفرائد من مناجاة الأنبياء، وصلتهم مع ربهم، تلك الصلة التي لا تنقطع ما دام يربطها حبل الدعاء والنداء.
فهذا آدم عليه السلام يقع في الخطيئة فلا يجد موئلا ولا ملجأ إلا في هذا الدعاء الحزين: قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) الأعراف.
وهذا نوح عليه السلام يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، حتى إذا يئس من هدايتهم، نادى ربه قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) الأعراف.
وهذا سيدنا إبراهيم يناجي ربه بهذا الدعاء المؤثر النابع من أعماق القلب المتصل بالله العارف به: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) الشعراء.
ولنتدبر هذا المقطع القرآني الرقيق يحدثنا عن أكرم رسله وهم يلوذون بخالقهم، ويلتجئون إليه: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84) وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ (86) وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) الأنبياء.
وهكذا كان شأن خاتم النبيين وسيد المرسلين، فقد أتحفتنا كتب السيرة والحديث الشريفة، بباقة عطرة، من دعائه ، وفيها ما تهتز له القلوب، وتتزكى به النفوس، وتفيض له العيون، وتخشع عنده الجوارح، وتلتقي بخالقها الأرواح على بساط العبودية الصحيحة.
والله سبحانه أكرم الأكرمين، لا يخيّب راجيه، ولا يرد سائله، ولا يحرم من فضله بره وكرمه داعيه، قال سبحانه: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ النمل 62. وقال : إن الله حيّ كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبين رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم عن سلمان رضي لله عنه.
وقال أحدهم:
لا تسألن بنّي آدم حاجة ***** وسل الذي أبوابه لا تحجب
الله يغضب إن تركت سؤاله ***** وبنيّ آدم حين يسأل يغضب
وقد أرشد الى كيفية الدعاء وأحواله وأوقاته وآدابه في جملة تعاليمه الكريمة نختار منها هذه النفحات:
1 »» الإخلاص لله تعالى، والوضء، واستقبال القبلة، والجثو على الركب، والتوبة الى الله. والاستغفار ورد المظالم الى أهلها.
قال تعالى: وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ (52) هود.
عن سعد أن رسول الله قال: اجثو على الركب، ثم قولوا: يا رب يارب رواه أبو عوانة والبغوي.
2 »» رفع اليدين حذو المنكبين، وبسطهما مكشوفتان الى السماء، بسط التذلل والتمسكن والاستجداء، ثم مسح الوجه بهما بعد انتهاء الدعاء.
عن ابن عباس ما أن النبي قال: سلوا الله ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم رواه أبو داود والبيهقي.
وعن أنس قال: كان رسول الله يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه في الدعاء. رواه مسلم.
وعن عمر قال: كان رسول الله : إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه رواه الترمذي.
3 »» حضور القلب مع الله، وتحسين الظن والرجاء به سبحانه، والخضوع بين يديه، والتيقن من استجابته وكرمه وأنه سميع قريب مجيب..
قال تعالى: ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) الأعراف.
وعن أبي هريرة أن رسول الله قال فيما يرويه عن ربه: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي الظن الحسن رواه مسلم والحاكم.
وعنه قال: قال رسول الله : أدعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب من قلب غافل لاه رواه الترمذي والحاكم.
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله : ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث، إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدّخر له، وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها قالوا: إذن نكثر. قال: الله أكبر. رواه ابن عبدالبر.
4 »» لزوم الدعاء والإكثارمنه، والاتجاء الى الله في كل الأمور، كبيرها وصغيرها، جليلها ودقيقها.. لأن الدعاء هو غاية الاستعانة بالله، ومطلق العبودية لله، وإظهار الفاقة الى الله..
قال تعالى حكاية عن عباده الصالحين: إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28) الطور.
وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) فاطر.
وعن علي قال: قال رسول الله : الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والأرض. رواه أبو يعلى والحاكم.
وعن أنس أن رسول الله قال: ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع رواه الترمذي.
5 »» خفض الصوت بالدعاء، وغضّ البصر وعدم رفعه الى السماء.
قال تعالى: ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً (3) مريم.
وعن عائشة ا قالت في قوله تعالى: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها أي بدعائك. متفق عليه.
وعن أبي موسى قال: لما غزا رسول الله خيبرا أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر لا اله إلا الله، فقال رسول الله : يا أيها الناس، إربعوا على أنفسكم ـ أي أرفقوا بها ـ فإنكم لا تعدون أصم ولا غائبا، وإنكم تدعون سميعا بصيرا قريبا وهو معكم متفق عليه.
6 »» الإلحاح في الدعاء، وتكراره ثلاثا.
عن عائشة ا عن النبي قال: إن الله تعالى إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا سأل سأل ثلاثا رواه البيهقي.
7 »» الجزم بالدعاء، والثقة بالله، والعلم بأنه سبحانه يجيب الدعاء مهما كان عظيما أو صعبا، فهو القادر أن يجعل من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ومن كل شدة ظفرا ونصرا.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : لا يقل أحدكم إذا دعا اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة فإنه لا مكره له متفق عليه.
وعنه قال: قال رسول الله : إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء رواه ابن حبان.
8 »» عدم التكلف في الدعاء، وترك السجع فيه، وتعلم المأثور منه في الكتاب والسنة.
عن عائشة ا قالت: كان رسول الله ، يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك" رواه أبو داود.
9 »» افتتاح الدعاء بحمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله، والصلاة والسلام على نبيه واختتام الدعاء بمثل ذلك. قال أبو سليمان الداراني: من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي ثم يسأله حاجته ثم يختم بالصلاة على النبي فإن الله عز وجل يقبل الصلاتين وهو أكرم من أن يدع ما بينهما.
عن فضالة بن عبيد قال: سمع رسول الله رجلا يدعو في صلاته لم يمجّد الله تعالى. ولم يصلّ على النبي فقال رسول الله : عجل هذا ثم دعاه فقال له ـ أو لغيره ـ إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه سبحانه والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ، ثم ليدع بما شاء. رواه الترمذي وأبو داود.
عن ابن مسعود قال: قال النبي : لا تجعلوني كقدح الراكب يجعل ماءه في قدحه فإن احتاج اليه شربه وإلا صبه، إجعلوني في أول الدعاء، وفي وسط الدعاء، وفي آخر الدعاء رواه ابن النجار.
وعن علي رضي الله عن النبي قال: الدعاء محجوب عن الله حتى يصلي على محمد وأهل بيته رواه أبو الشيخ.
10 »» التأمين على دعاء النفس وعلى دعاء الغير.
عن أبي هريرة أن رسول الله قال: إذا دعا أحدهم فليؤمن على دعاء نفسه رواه ابن عدي.
وعن حبيب بن سلمة الفهري قال: قال رسول الله : لا يجتمع ملأ فيدعو بعضهم، ويؤمن بعضهم إلا أجابهم الله تعالى رواه الطبراني.
11 »» تجنب الاعتداء في الدعاء، والحذر من الدعاء على النفس أو الأهل أو الولد أو أحد المخلوقات.
قال تعالى: وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً (11) الإٌسراء.
وقال عز وجل: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ يونس 11، ( وهو دعاء الرجال على نفسه وماله وأهله بما يكره أن يستجاب).
وعن جابر قال: قال رسول الله : لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافق من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجاب لكم رواه أبو داود.
وعن أم سلمة ا قالت: قال رسول الله : لا تدعو على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمّنون على ما تقولون رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
12 »» بجنب استبطاء الإجابة، واليأس والقنوط من قضاء حاجته، ثم استصغار شأن الدعاء، وعدم الاهتمام به، ثم تركه بعد ذلك.
عن جابر قال: قال النبي : إن جبريل موكل بحوائج بني آدم. فإذا دعا العبد الكافر قال الله تعالى: يا جبريل اقض حاجته فإني لا أحب أن أسمع دعاءه، وإذا دعا العبد المؤمن قال: يا جبريل احبس حاجته فإني أحب أن أسمع دعاءه" رواه ابن النجار.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : لا يزال الدعاء يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله وما الاستعجال؟ قال: يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء رواه مسلم.
13 »» ترصّد الأوقات المباركة والأزمان الكريمة، واغتنام المواسم والحالات الشريفة والأمكنة الطاهرة المقدسة، للتضرّع والدعاء، كأوقات السحر، والجمع، ورمضان، وعشر ذي الحجة، ويوم عرفة، وبعد الصلوات، وعند الإفطار، وفي السجود.. وحالات رقة القلب وإقباله على الله تعالى: وفي المسجد الحرام والمسجد النبوي وبيوت الله..
قال تعالى: وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) الذاريات.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ينزل الله تعالى كل ليلة الى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول عز وجل: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له متفق عليه.
وعن أبي أمامة أن رسول الله قال: نفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن: عند التقاء الصفوف في سبيل الله، وعند نزول الغيث، وعند إقامة الصلاة، وعند رؤية الكعبة رواه الطبراني.
وعن أبي موسى أن النبي قال: من كانت له الى الله حاجة فليدع بها دبر كل صلاة مفروضة رواه ابن عساكر.
وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء رواه مسلم.
وعنه عن النبي قال: ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين رواه الترمذي.
14 »» الإكثار من الدعاء والتوسل الى الله تبارك وتعالى في أوقات اليسر والرخاء، ليستجيب الله تعالى له في أوقات العسر والشدة والضراء.
قال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) الأنبياء.
وعن أبي هريرة أن رسول الله قال من سرّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء في الرخاء رواه الترمذي والحاكم.
15 »» تجنّب الحرام في المطعم أو الملبس أو المسكن أو المشرب، فإن الله سبحانه وتعالى طيب ولا يقبل إلا طيبا.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم. وقال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه الى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأتى يستجاب لذلك رواه مسلم والترمذي.
16 »» سؤال الله تعالى ودعاؤه بأسمائه الحسنى، والثناء عليه وتمجيده بصفاته العليا.
قال تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا الأعراف 180.
وقال سبحانه: قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى الإسراء 110.
وعن أنس أن النبي قال: ألظّوا ـ أي ألحوا ـ بيا ذا الجلال والإكرام رواه الترمذي.
وعن مسلمة بن الأكوع قال: كان رسول الله يستفتح دعاؤه بسبحان ربي العلي الأعلى الوهاب رواه الحاكم وأحمد.
وعن أبي أمامة قال: قال النبي : إن الله ملكا موكلا بمن يقول: يا أرحم الراحمين. فمن قالها ثلاثا قال الملك: إن أرحم الراحمين قد أقبل عليك رواه الحاكم.
17 »» الإكثار من الدعاء لأهله وأرحامه وإخوانه وجيرانه وأصدقائه ولمن أوصاه بالدعاء لينال مثل ما دعا به دعوة من الملك.
قال تعالى حكاية عن سيدنا موسى: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) الأعراف.
وعن أبي الدرداء أن رسول الله قال: دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه بظهر الغيب، عند رأسه ملك موكل به كلما دعا لأخيه بخير قال الملك آمين ولك مثل ذلك رواه أحمد ومسلم وابن ماجه.
* * *
ترانيم عاشق
22-05-2006, 07:19 PM
مختارات من أدعية القرآن الكريم
1 »» سورة الفاتحة.
2 »»رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) البقرة.
3 »»رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) البقرة.
4 »»رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (8) آل عمران.
5 »»رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (192) رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) آل عمران.
6 »»رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء (40) إبراهيم.
7 »»رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً (80) الإسراء.
8 »»رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً (10) الكهف.
9 »»رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) طه.
10 »»رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً (114) طه.
11 »»لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) الأنبياء.
12 »»رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ (98))الأنبياء.
13 »»رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) المؤمنون.
14 »»رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً (65) إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً (66) الفرقان.
15 »»رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74) الفرقان.
16 »»رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) النمل.
17 »»قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) الزمر.
18 »»رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (10) الحشر.
19 »»رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ نوح 28.
20 »» المعوذتان.
*********
مختارات من الأدعية النبوية الشريفة
1 »» اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. مسلم عن ابن مسعود.
2 »» اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك. مسلم عن عبدالله بن عمرو.
3 »» اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء. الشيخان عن أبي هريرة.
4 »» اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر. مسلم عن أبي هرير.
5 »» اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك، وجميع سخطك. مسلم عن ابن عمر.
6 »» اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والبخل والهرم، وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها. مسلم عن زيد بن أرقم.
7 »» اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق، والأعمال، والأهواء. الترمذي عن قطبة بن مالك.
8 »» اللهم إني أسأل موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار. الترمذي عن ابن مسعود.
9 »» اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب اليّ من نفسي، وأهلي ومن الماء البارد. الترمذي عن أبي الدرداء.
10 »» اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا. الترمذي عن ابن عمر.
11 »» اللهم اجعلني شكورا، واجعلني صبورا، واجعلني في عيني صغيرا وفي أعين الناس كبيرا. البزار عن بريدة.
12 »» اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوّن علينا مصيبات الدنيا، ومنعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا.البزار عن بريدة.
13 »» اللهم أغنني بالعلم، وزيني بالحلم، وأكرمني بالتقوى، وجملني بالعافية. الترمذي عن ابن عمر.
14 »» اللهم طهر قلبي من النفاق، وعملي من الرياء، ولساني من الكذب، وعيني من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ابن النجار عن ابن عمر.
15 »» اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما اعلنت، وما أنت اعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير. الشيخان عن ابن موسى.
*********
ترانيم عاشق
22-05-2006, 07:21 PM
آداب الجمعة
يوم الجمعة يوم عظيم عند الله تعالى، أفرد في القرآن الكريم سورة سميت "سورة الجمعة" بنيت أحكام صلاة الجمعة كأهم ما في هذا اليوم المبارك، وتوالت الأحاديث النبوية الشريفة تشرح قدر الجمعة، ووظائف المسلم فيه.
قال النبي : سيد الأيام عند الله يوم الجمعة، أعظم من يوم النحر والفطر، وفيه خمسة خصال: فيه خلق آدم، وفيه أهبط من الجنة الى الأرض، وفيه توفي، وفيه ساعة لا يسأل العبد الله شيئا إلا أعطاه، ما لم يسأل إثما أو قطيعة رحم، وفيه تقوم الساعة، وما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرضولا ريح ولا جبل ولا حجر إلا وهو مشفق من يوم الجمعة. رواه البخاري.
وقد خصّ الله المسلمين بهذا اليوم وجعله عيدهم الأسبوعي، وفرض فيه صلاة الجمعة، وخطبتها وأمر المسلمين بالسعي إليها جمعا لقلوبهم، وتوحيدا لكلمتهم، وتعليما لحاهلهم، وتنبيها لغافلهم، وردا لشاردهم، بعد أسبوع كامل من العمل والإكتساب، كما حرّم فيه الاشتغال بأمور الدنيا، وبكل صارف عن التوجه إلى صلاة الجمعة عند الدعوة إليها.
فإذا سلمت الجمعة كانت كفارة لما سبقها خلال أيام الأسبوع، قال : الصلوات الخمس، والجمعة الى الجمعة، ورمضان الى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر. رواه مسلم عن أبي هريرة.
وقد ورد الوعيد الشديد على ترك الجمعة، قال عليه الصلاة والسلام من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر طبع الله على قلبه رواه أحمد وأصحاب السنن، وفي رواية فقد نبذ الإسلام وراء ظهره رواه البيهقي في الشعب عن ابن عباس. وقال: لينتهن أقواما عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين رواه مسلم عن ابن عمر وأبي هريرة.
وقد أتى على بعض الناس زمن، غفلوا عن واجباتهم الإسلامية، ومنها حقوق يوم الجمعة، فحسبوه يوم الراحة الاسبوعية، ويوم العطلة بعد العمل ينطلقون فيه الى الملاعب والمنتزهات، وبأيديهم أدوات اللهو واللغو واللعب والغفلات، وصنوف الأطعمة والأشربة والملذات، في يوم قال فيه النبي أتاني جبريل عليه السلام في كفه مرآة بيضاء وقال: هذه الجمعة يفرضها عليك ربك لتكون لك عيدا، ولأمتك من بعدك. قلت: فما لنا فيها؟ قال: لكم فيها خير ساعة من دعا فيها بخير قسم له، أعطاه الله سبحانه إياه، أو ليس له قسم ذخر له ما هو أعظم منه، أو تعوذ من شر مكتوب عليه إلا أعاذه الله عز وجل من أعظم منه، وهو سيد الأيام عندنا ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد، قلت: ولم؟ قال: إن ربك عز وجل اتخذ في الجنة واديا أفيح من المسك الأبيض، فإذا كان يوم الجمعة نزل الله تعالى من عليين على كرسيه فيتجلى لهم حتى ينظروا الى وجهه الكريم. رواه الشافعي في المسند، الطبراني في الأوسط، وابن مردويه في تفسيره، عن أنس.
ولقد أخبرنا سبحانه أنه حرم العمل على اليهود يوم السبت، وأمرهم بالتفرغ لعبادته، فعملوا الحيل، استهزاء بأمر الله تعالى واعتداء على حدوده، فغضب عليهم ولعنهم وجعل منهم القردة والخنازير.
قال تعالى: واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166) الأعراف.
وقال : إن اهل الكتاب أعطوا يوم الجمعة فاختلفوا فيه فصرفوا عنه، وهدانا الله إليه وأخره لهذه الأمة وجعله عيدا لهم فهم أولى الناس به سبقا، وأهل الكتابين لهم تبع. متفق عليه عن أبي هريرة.
وقد جاء رجل الى ابن عباس يسأله عن رجل مات لم يكن يشهد جمعة ولا جماعة، فقال: في النار. فلم يزل يتردد إليه شهرا يسأله عن ذلك وهو يقول في النار.
وهذه باقة من الآداب الإسلامية والتي هي بعض من حقوق هذا اليوم الكريم:
1 »» الاستعداد للجمعة من يوم الخميس، بغسل ثيابه وإعداد طيبه، وتفريغ قلبه من الوساغل الدنيوية، والاشتغال بالتوبة والاستغفار، والذكر والتسبيح من عشية يوم الخميس، والعزم على التكبير الى المسجد، ويستحسن قيام ما تيسر من ليلة الجمعة بالصلاة وقراءة القرآن.
قال بعض السلف: أوفى الناس نصيبا من الجمعة من انتظرها ورعاها من الأمس.
2 »» الابتداء بالغتسال بعد صلاة فجر يوم الجمعة مع الجماعة، ويمتد وقت الغسل حتى النداء.
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم متفق عليه. المراد بالمحتلم: البالغ.
وعن سمرة قال: قال رسول الله : من توضأ يوم الجمعة، فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل رواه أبو داود والترمذي.
وعن أوس بن أوس قال: قال رسول الله من غسل واغتسل، وبكر وابتكر، ودنا من الإمام واستمع، كان ذلك له كفارة لما بين الجمعتين وزيادة ثلاثة أيام رواه الحاكم.
وعن ابن عمر ما أن رسول الله قال: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل متفق عليه.
3 »» النظافة العامة بحلق الشعر وقص الأظافر والسواك، والتطيب ولبس أحسن الثياب.
عن سلمان قال: قال رسول الله : لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما إستطاع من طهر، ويدّهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين إثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى رواه البخاري.
4 »» التبكير الى الصلاة، ساعيا إليها بالسكينة والوقار، والتواضع والخشوع، ناويا إجابة أمر الله سبحانه والمسارعة الى مغفرته ورضوانه، وليغتنم ثواب الصف الأول، ولا يكونن مع دينه أقل همة من أصحاب الدنيا إذ يبكرون الى أسواقهم.
قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا البيع، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون الجمعة 9.
وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يحضرون الذكر. متفق عليه.
5 »» الدخول إلى المسجد مراعيا آدابه، مجتنبا تخطي رقاب الناس، أو المرور بين أيديهم، إلا أن يرى فرجة فيأوي إليها، ويجلس حيث ينتهي الصف، ولا يفرق بين إثنين ليجلس بينهما، ويتقرب الى الخطيب ما أمكنه ليستمع إليه.
عن عبدالله بن بسر أن رسول الله بينما هو يخطب يوم الجمعة إذا رأى رجلا يتخطى رقاب الناس حتى قدم فجلس، فلما قضى النبي صلاته قال له: ما منعك أن تصلي معنا؟ فال: أولم ترني؟ قال: رأيتك آنيت وآذيت. رواه أبو داود والنسائي.
6 »» الاستماع والإنصات للخطبة، والانتباه واليقظة لما فيها من العلم والحكمة، وتفريغ القلب من الشواغل لما يرد من الموعظة والذكرى، والعزم على العمل بما سمع من أحكام الدين الحنيف. ولا يتكلم حتى مع من يريد أن ينبهه الى وجوب الإنصات وإنما يشير له ليكف عن كلامه، ولا يجيب مسلما، ولا يشمّت عاطسا..
قال تعالى: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11) الجمعة.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : من قال لصاحبه والإمام يخطب أنصت فقد لغا، ومن لغا لا جمعة له رواه الترمذي والنسائي.
7 »» تجنب العبث باليدين أو بالسجاد أو بالسبحة أثناء الخطبة فهو من اللغو، وتجنب التغافل عن الخطبة والانشغال بغيرها أو النوم خلالها فإنه يذهب ثوابها.
8 »» يكره الاحتباء إثناء الخطبة لأنه يجلب النوم ويفوت استماع الخطبة ومدعاة لانتقاض الوضوء.
عن معاذ لن أنس الجهني أن النبي نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب. رواه أبو داود والترمذي.
9 »» صلاة أربع ركعات قبل الصلاة وأربع ركعات بعدها.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : إذا صلى أحدكم الجمعة، فليصلّ بعدها أربعا رواه مسلم.
10 »» الإكثار يوم الجمعة من الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله .
عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله : إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي رواه أبو داود.
11 »» حضور مجالس العلم في الغداة أو بعد العصر، ويجمع بحضوره مجلس العلم بكرة بين خيرين، وفضيلتين هما التبكير والتفقه في الدين، قال أنس : في تفسير قوله تعالى: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله، إما إنه ليس بطلب دنيا، لكن عيادة مريض، وشهود جنازة، وتعلم علم، وزيارة أخ في الله.
12 »» الإكثار من قراءة القرآن وخصوصا سورة الكهف، وقد تقدم فضيلة قراءتها يوم الجمعة.
13 »» الإكثار من ذكر الله تعالى، وعموم العبادات الأخرى كالصلوات والصدقات والدعوة الى الله، وجعل يوم الجمعة عملا يدخره في رصيده لحساب يوم الحساب.
قال تعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) الجمعة.
وعن أنس عن النبي قال: إن لربكم في أيا دهرت نفحات، ألا فتعرضوا لها رواه الحكيم والطبراني.
14 »» ترقب الساعة المباركة التي أشار إليها النبي بأنها لا ترد فيها دعوة، وذلك بالإنشغال يوم الجمعة بأصناف القربات، والتزود من التقوى والنوافل والأذكار والدعوات.. قال بعض العلماء: هذه الساعة مبهمة مثل ليلة القدر، في ساعات يوم الجمعة، تتوفر الدواعي لمراقبتها.
عن عمرو بن عوف المزني عن النبي قال: إن في الجمعة ساعة لا يسأل اله العبد فيها شيئا إلا أتاه الله إياه. قالوا: يا رسول الله أي ساعة هي؟ قال: هي حيت تقام الصلاة الى الانصراف منها رواه الترمذي وابن ماجه.
وعن أبي هريرة أن رسول الله ذكر يوم الجمعة فقال: فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها متفق عليه.
15 »» يكره السفر يوم الجمعة إن استطاع تأجيله إلا لمضطر، حتى تقضي صلاة الجمعة.
عن ابن عمر أن رسول الله قال: من سافر يوم الجمعة دعا عليه ملكاه رواه الدارقطني.
16 »» يكره إفراض يوم الجمعة بصوم الفضل.
عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو بعده متفق عليه.
* * *
ترانيم عاشق
22-05-2006, 07:23 PM
آداب العيدين
سمي العيد بهذا الإسم لعوده بالخير والغبطة والسرور على أهله بعد قيامهم بواجب دورب يتكرر كل مدة من الزمن، أو احتافات بذكرى غالية على نفوسهم، أو حصولهم على غاية عزيزة على قلوبهم.
وللمسلمين عيدان أساسيان هما: عيد الفطر وعيد الأضحى، الأول بعد أداء فريضة الصوم في شهر رمضان ويكون يوم الفطر الأول من شوال يوم فرح وسعادة وحبور للصائمين إذ وفقهم الله لطاعته، ومنحهم شهادة التقوى بما قدموه من صيام وقيام، ومخالفة لشهوات النفس وحظوظها وأهوائها، وقد قال عليه الصلاة والسلام: للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه متفق عليه.
والثاني بعد أدء فريضة الحج، ويكون يوم النحر اليوم العاشر من ذي الحجة يوم احتفال وبهجة وسرور للحجاج بما أنعم الله عليهم من أداء النسك، وتلبية أمر الله، وإكرام الله لهم بالمغفرة والرضوان، وفتح صفحة نقية من صفحات العمر، ولكافة المسلمين فرحا بما يسر الله تعالى لحجاج بيته من أداء فريضتهم، وتذكرا لعهد التضحية والفداء بالروح والنفس والمال والولد طاعة لله وامتثالا لأمره، والذي كان بطله أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) الصابرين.
ولقد شرع النبي هذين العيدين لأمته كما روي أنه قدم للمدينة ولأهلها يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذا اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله قد أبدلكما بهما خيرا منهما عيد الفطر وعيد الأضحى أبو داود عن أنس.
والعيد يوم شكر لله على ما أنعم من فضله، وما وفق من طاعته، ويوم راحة نفسية بعد أداء الفريضة، ويوم مكافأة إلهية كريمة ليعرف المسلم قدر ما قدم، وقيمة ما عمل، وتشجيعا له على كتابعة أمر الله، والسير على منهجه حتى يلقى يوم عيده الأكبر بلقاء وجه ربه الكريم..
ولقد أباح الإسلام أيام العيد إظهار الفرح، والأخذ من الطيبات، والراحة والاستجمام من عناء العمل، وشيئا من اللهو المباح الذي يكون كإعادة شحن لقوى النفس، ومحطة لمواصلة الطريق على صراط الله المستقيم.
وللعيد آداب إسلامية على المسلم أن لا يتجاوزها، وأعرافا عليه ألا يتعداها، فيطلق للنفس العنان لتستبيح ما حرم الله، ولتفسد أياما قضاها في الطاعة والعبادة من أجل شهوة رخيصة، وهوى متبع. قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33) محمد. وجاء في الأثر: من عصاني يوم العيد، فكأنما عصاني يوم الوعيد.
ومن هذه الآداب نذكر ما يلي:
آداب عيد الفطر:
1 »» قيام ليلة العيد بأنواع العبادات والقربات، من ذكر لله وصلاة وتسبيح وقراءة للقرآن..
عن معاذ أن رسول الله قال: من أحيا الليالي الأربع وجبت له الجنة: ليلة التروية، وليلة عرفة، وليلة النحر، وليلة الفطر رواه ابن عساكر.
وعن عبادة عن رسول الله قال: من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يمت يوم تموت القلوب رواه الطبراني.
2 »» الاغتسال والسواك والتطيب والتزين ولبس أحسن الثياب وأجملها.
3 »» الإكثارمن التكبير عند الفجر.
قال تعالى: وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) البقرة.
وعن أنس أن رسول الله قال: زينوا العيدين بالتهليل والتكبير والتحميد والتقديس رواه أبو نعيم في الحلية.
4 »» إخراج زكاة الفطر قبل الصلاة، وينبغي التكبير في إخراجها احتياطا، ويجوز أول رمضان.
عن ابن عباس ما قال: فرض رسول الله صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرّفث وطعمة للمساكين، فمن أدّاها قبل الصلاة زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم.
5 »» الإكثار من الصدقات والمبرات، وجبر خواطر الفقراء واليتامى والأرامل والمساكين.
6 »» إظهار البشاشة والفرح والسرور، الفرح بطاعة الله، والبشاشة في وجوه المؤمنين.
7 »» التبكير في التوجه الى صلاة العيد في المسجد، ويستحب الذهاب اليه ماشيا من طريق، والعودة اليه ماشيا من طريق آخر ليشهد له الطريقان ومن فيهما من ملائكة الله التي تملأ الطرقات في هذا اليوم الكريم.
قال علي : من السنة أن تخرج الى العيد ماشيا.
8 »» تناول شيئا من الطعام قبل الذهاب الى صلاة الفطر ويستحب أن يكون حلوا كالتمر.
عن أنس قال: كان رسول الله لا يغدو يوم حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وترا رواه البخاري.
9 »» شهود صلاة عيد الفطر، ويستحب تأخيرها لأجل إخراج صدقة الفطر لمن لم يخرجها، وحضور خطبة العيد والإستماع الى توجيهاتها ووصاياها.
10 »» السلام على الأهل والإخوة والأصدقاء والجيران والمعارف وجميع المسلمين بعد الصلاة، قائلا: تقبل الله طاعتكم، وكل عام وأنتم بخير.
11 »» زيارة الأرحام، والعلماء، والأصدقاء بحسب آداب الزيارة.
12 »» زيادة الطاعات، والإكثار من أعمال البر والخير، وتجنب المعاصي والذنوب، والملاهي المحرمة، التي تقسي القلب وتصد عن ذكر الله وتلهي عن الصلاة.
قال الله تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) الحج.
آداب عيد الأضحى:
أداب عيد الأضحى هي نفس آداب عيد الفطر إلا في الملاحظات التالية:
1 »» التكبير بعد الصلوات الخمس من فجر يوم عرفة وحتى عصر اليوم الثالث من أيام التشريق.
قال تعالى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ الحج 28.
وقال: وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ البقرة 203.
2 »» تعجيل صلاة عيد الأضحى من أجل ذبح الأضاحي كما ورد في الحديث. عن أبي الحويرث مرسلا أن رسول الله كتب الى عمرو بن حزم وهو بنجران أن عجل الأضحى وأخر الفطر. أخرجه الشافعي.
3 »» عدم تناول الطعام قبل أداء صلاة الأضحى.
عن أنس قال: كان رسول لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يأكل يوم الأضحى حتى يصلي. رواه الترمذي.
4 »» الأضحية للمستطيع، ويرجع في شروطها الى كتب الفقه. ويسن أن لا يحلق صاحبها ولا يأخذ من اظفاره من بداية ذي الحجة حتى يذبح.
عن أم سلمة ا قالت: قال رسول الله : من كان له ذبح فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذنّ من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحّى رواه مسلم.
5 »» توزيع الأضحية ثلث لنفسه وعياله، وثلث لأرحامه وأقاربه وأصدقائه، وثلث للفقراء والمساكين.
قال تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) الكوثر.
وعن البراء قال: خرج النبي الى البيقع فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وقال: إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة ثم نرجع فننحر رواه البخاري.
وعن نبيشة أن رسول الله قال: أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر لله تعالى رواه مسلم وأحمد.
• صيغة التكبير: الله أكبر الله أكبر لا اله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
• المعدودات: أيام التشريق.
• المعلومات: عشر ذي الحجة مع يوم النحر.
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2012
diamond