oumaima
01-03-2008, 12:45 AM
القيروان أم أمصار وعاصمة أقطار، أعظم مدن الغرب قطرا وأكثرها بشرا وأيسرها أموالا وأوسعها أحوالا وأتقنها بناء وأنفسها همما وأربحها تجارة وأكثرها جباية. هكذا أثني الإدريس في نزهة المشتاق على القيروان .
لقد لعبت القيروان دورا أساسيا في تغيير مجري تاريخ الحوض الغربي من البحر الأبيض المتوسّط وفي تحويل إفريقية والمغرب من أرض مسيحيّة لهجتها لاتينية إلى أرض لغتها العربية ودينها الإسلام .
أصل التسمية:
وتسمية القيروان تستجيب للغرض الأصلي من تأسيسها فهي كلمة معربة عن اللّغة الفارسية وتعني المعسكر أو القافلة أو محط أثقال الجيش وقد تكلّمت بها العرب قديما حيث جاء في شعر امرؤ القيس:
وغارة ذات قيروان : كأن أسرابها الرعال
اختيار موقع القيروان:
اختير موقعها على أساس حاجات إستراتيجية واضحة. وقد اختار لها مؤسسها عقبة ابن نافع موضعا بعيدا عن البصر في وسط البلاد ولئلا تمر عليها مراكب الروم فتهلكها.
وتوجد القيروان في منبسط من الأرض مديد يسمح باستنفار الفرسان في غير صعوبة، وقد كانت الخيل قوام جيش المسلمين في جل معاركهم وحروبهم المصيريّة. وقد راعي عقبة في اختياره لموقع مدينته الجديدة تقريبها من السبخة حتى يوفر ما تحتاجه الابل من المراعي.
أهم المراحل التي مرت بها القيروان:
1-الفتح الاسلامي:
لمّا اختط عقبة المدينة سنة 50هـ/ 670م أقام بوسطها المسجد الجامع ، ثم أسس دار الإمارة بجانبه واختط الجادّة الكبرى التي أصبحت يطلق عليها فيما بعد اسم السماط الأعظم ، قبل أن يتولى توزيع الخطط في معسكره ، فعمّرت القيروان وشدّ النّاس إليها المطايا من كل أفق. وقد تراجع هذا المد بعد عزل عقبة بن نافع عن ولاية إفريقية سنة 55هـ/675م وتولية أبي المهاجر دينار .
وبقي البربر على عدائهم لهذا الجسم المنبثّ داخل وطنهم ورفعوا راية المقاومة على يدي الكاهنة ولم يستتب الأمن ردحا من الزّمن إلا بورود الفاتح حسان بن نعمان إفريقية سنة 79هـ/698م ، فهزم الكاهنة وسكّن البلاد فازدهرت بذلك القيروان وأصبحت قصبة إفريقية. ونظّم حسّان الإدارة ورتّب الدّواوين وصالح الأهالي على الخراج وجدّد جامع عقبة ومهّد الأمر لموسى بن نصير 88 هـ/707م ليتّخذ القيروان قاعدة لفتح المغرب.
2-الدّولة الأغلبية :
شهد العهد الأغلبي بلورة أهم المدارس الفقهيّة بإفريقية وسيطرة المذهبين المالكي والحنفي حيث اشتدّ التنافس بالقيروان بين الحنفيّة والمالكيّة ، وان ظلّ المذهب الحنفي أقل رواجا وشيوعا فإنّه كان يتّخذ أنصاره من بين الطّبقات الخاصة والفئات الاجتماعية الرّاقية وكان من أبرز فقهائه ابن فروخ ( المتوفي سنة 201 هـ ) وأسد بن الفرات ( المتوفى سنة213 هـ) وأبي محرز وسليمان بن عمران. وخلافا لذلك فقد كان فقهاء المالكية أقرب للعامة وأشد التصاقا بهم ممّا سمح بنشر مذهبهم وترجيح كفته .
وقد تميّز الأغالبة بسلوك سياسة متوازنة بين المالكيّة والحنفيّة وحاولوا توزيع المناصب بينهم ودعّموا المذاهب السنيّة بإزاحة الثائرين وقمع الثورات الأباضيّة والخارجيّة .
وقد عرفت القيروان في العهد الأغلبي أزهي أيّامها وحباها أمراؤها بأجل معالمها ، حيث قام زيادة الله الأول منذ سنة 221هـ/ 836 م بإعادة بناء جامعها بما يتلاءم ومنزلة عاصمته الروحية والسياسيّة وقام بتوسيع بيت صلاته، ولم تمض على ذلك عشرون سنة حتى دعت الحاجة أبا إبراهيم أحمد لإضافة بلاطة أخرى تتوسطها قبة تعرف بقبة البهو تعتبر من روائع الفن الإسلامي وأحاط صحن الجامع بالمجنبات من جميع جهاته وفي ذلك دليل قاطع على سرعة ازدياد عدد المصلين ووجوب الاستجابة لحاجتهم لأداء فريضة الصلاة من يوم الجمعة وهو معيار ثابت ينم عن تطور سكان المدينة المطّرد.
3-الخلافـة الفاطميـّة :
كانت القيروان تمثّل قلعة المالكيّة بإفريقية ودرعها الواقي فتصدّي فقهاؤها ورجال دينها لجميع التغييرات التي حاول أن يدخلها الفاطميّون على الحياة الدينيّة كإسقاط صلاة التّراويح في شهر رمضان وزيادة عبارة حي على خير العمل في الآذان وتفضيل على بن أبي طالب على سائر الصحابة . فامتحن وقتل من أجل ذلك عدد من رجال القيروان .
وإن أثّر تحول الفاطميين من رقادة إلى المهدية ومن المهدية إلى صبرة المنصوريّة على نسق نمو القيروان فإنه ليس هنالك ما يدل على حدوث تقلص في عمران المدينة بل أن القائم بني لهم سوقا في موضع سجن سابق سماها القاسميّة وأجرى لهم الخليفة المعزّ قناة تصب في مواجلها بعد أن تملأ برك قصر البحر بصبرة المنصوريّة إسهاما منه في معالجة معضلة الماء التي كانت تتفاقم بقدر تطوّر عدد سكاّن المدينة.
4-الإمارة الصنهاجية :
كانت المدينة آنذاك محطّ رحال التجارة الرابطة بين شطري العالم الإسلامي تردها قوافل المغرب وأودغشت وممالك السودان حيث مناجم الذهب وتصل مرافئها مراكب صقليّة والأندلس ومصر وبحر عمان معبأة بالبضاعة المشرقيّة والهندية ، فتتولى توزيعها في كامل ديار المغرب. وكانت تحيط بالقيروان القرى العامرة والآهلة كسردانية وجلولة وحصر وصدف وغيرها، وهي تتولى تزويدها بما تحتاج إليه من أطعمة وخضر وغلال. كما أن المدينة أصبحت إحدى أهم مراكز صناعة الثياب الرفيعة والخزف والفخار. فتكون بذلك قد استوفت جميع مقوّمات كبريات المدن في ذلك العصر ولعلها كانت إلى جانب قرطبة والفسطاط والقسطنطينيّة أكبر مدن البحر الأبيض المتوسط عدد سكانها الثمانين ألف نسمة .
5-الزّحفة الهلاليّة :
هذا البناء الشامخ بدأ يعتريه الخلل من جراء استفحال العداوة بين صنهاجة وزناتة ونتيجة احتدام الصراع من أجل السلطة والسيادة في المغرب بين بني زيري وبني حمّاد، وقد استدعى ذلك تعبئة جميع الطاقات واستنزاف جميع الموارد ممّا حال دون التفرغ لمواجهة النصارى في البحر الأبيض المتوسط فغلبوا عليه وبدأوا يستأثرون بالطرق البحريّة فتقلصت موارد إفريقية والقيروان. وقد وافق ذلك سنوات عجاف بدأت تنبئ بتزعزع صرح الحضارة القيروانيّة كانت أشأمها سنة 395هـ/1005م، إذ يذكر الرّقيق أنه "كان بإفريقية في ذلك التاريخ شدّة عظيمة خلت فيها المنازل والمساجد بمدينة القيروان وتعطّلت الأفران والحمّامات ومع هذه الشدّة وباء وطاعون هلك فيه أكثر الناس".
ثم جاءت الزحفة الهلاليّة بقاسمة الظّهر وأفضت إلى انقراض الحضارة القيروانية وعاثوا فيها فسادا وأجلوا أهلها عنها فاندرس عمرانها وعمّت الفوضى سائر البلاد وطوّقها البدو من كل جانب وحولوا الأراضي المحيطة بها إلى مراع لمواشيهم.
6-الدولة الحفـصيـّة :
أخذت القيروان بقيام الدولة الحفصيّة تستعيد أمنها وتلم شعثها. فقد صرف لها ملوكهم بعض اهتمامهم وأعيد إحاطتها منذ القرن السّابع بسور يبلغ طوله ثلاثة كيلومترات إلا أنّه يمسح رقعة لا تفوق عشر مساحة القيروان أيام عزّها وامتداد عمرانها ، واهتم المستنصر والأمراء الذين خلفوه بالمسجد الجامع فتم تدارك جدرانه وسقوفه وأخذت تعمّ المدينة المقامات والزوايا والقباب التي أقامتها شخصيّات صوفيّة وفقهيّة فأضفت عليها هالة من الإجلال وأصبحت محلّ تبرّك وتقديس وساهمت في تجديد الحياة الروحيّة والدينيّة داخل المدينة
واهتمّ الحفصيّون بترتيب أسواق المدينة ، ودبّت الحياة فيها من جديد واستطاع أهل القيروان التأقلم مع الإطار المحيط بالمدينة ، فتحولت إلى مركز لصناعة الجلود والدّباغة والملابس الصوفيّة والحياكة والى سوق تعول أهل البوادي المحيطة بما تحتاج إليه من مواد.
7-الدولة المرادية:
بقيام الدولة المراديّة ، صرف لها مراد الأول بعض اهتمامه وجدّد سقوف جامعها الأعظم ، و أعاد بناء مقام الصحابي أبي زمعة البلوي وجعل لأهل القيروان صدقة سنيّة وتصدى لبني سعيد الذين كانوا يتطاولون علي أهل القيروان ويهلكون زرعهم فشرّدهم واستأصل شرّهم .
8-الدولة الحسينية:
خصّ أمراء الدولة الحسينيّة القيروان بتبجيلهم وعنايتهم . ببناء سورها المنهدم، وإحياء آثار الصحابة والتابعين ومدفن شعرات المصطفى صلوات الله عليه .كما شيّدوا المدرسة الحسينيّة وبنوا سوقين . وهذه العناية من طرف الحسينيّن إلى جانب الحركة العمرانيّة النشيطة التي عرفتها المدينة أيام المراديين ، أنزلت القيروان المرتبة الثّانية من بين المدن التونسيّة.
9-القـيروان اليــوم :
هي مركز ولاية ويبلغ عدد سكانها حوالي 165.000 نسمة وهي رابع المدن التونسية وتمثل ملتقى أهم الطرق الرابطة بين مختلف مناطق البلاد.
ويعيش أغلب سكان المدينة من قطاع الخدمات (60%) والفلاحة(30%) والصناعة(10%) .والقيروان اليوم قطب جامعي يشتمل على كليّة للآداب وستة معاهد للتعليم العالي يؤمها أكثر من 15.000 طالب.
ويقتصر قطاع الصناعة على وجود مصنع للتبغ وآخر لتركيب السيارات وبعض المعامل التحويلية في النسيج إلا أنّ أكثر من 15.000 عائلة تسترزق من قطاع الصناعات التقليدية التي من أهمها صناعة الزربية ( السجاد) التي اشتهرت بها القيروان وذاع صيتها، والنحاس والأغطية الصوفيّة ...
وقد بقيت القيروان من أهم المراكز الدينية بالبلاد التونسية ومن أكبر المزارات وبها تقام احتفالات المولد النبوي الشريف. وبعث بها منذ سنة 1989 مركز للدراسات الإسلامية.
ومدينة القيروان العتيقة مازالت محافظة على طابعها العربي الإسلامي الأصيل وعلى شكل أسواقها ودروبها ومسالكها القديمة وهي مسجلة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي منذ سنة 1988.
لقد لعبت القيروان دورا أساسيا في تغيير مجري تاريخ الحوض الغربي من البحر الأبيض المتوسّط وفي تحويل إفريقية والمغرب من أرض مسيحيّة لهجتها لاتينية إلى أرض لغتها العربية ودينها الإسلام .
أصل التسمية:
وتسمية القيروان تستجيب للغرض الأصلي من تأسيسها فهي كلمة معربة عن اللّغة الفارسية وتعني المعسكر أو القافلة أو محط أثقال الجيش وقد تكلّمت بها العرب قديما حيث جاء في شعر امرؤ القيس:
وغارة ذات قيروان : كأن أسرابها الرعال
اختيار موقع القيروان:
اختير موقعها على أساس حاجات إستراتيجية واضحة. وقد اختار لها مؤسسها عقبة ابن نافع موضعا بعيدا عن البصر في وسط البلاد ولئلا تمر عليها مراكب الروم فتهلكها.
وتوجد القيروان في منبسط من الأرض مديد يسمح باستنفار الفرسان في غير صعوبة، وقد كانت الخيل قوام جيش المسلمين في جل معاركهم وحروبهم المصيريّة. وقد راعي عقبة في اختياره لموقع مدينته الجديدة تقريبها من السبخة حتى يوفر ما تحتاجه الابل من المراعي.
أهم المراحل التي مرت بها القيروان:
1-الفتح الاسلامي:
لمّا اختط عقبة المدينة سنة 50هـ/ 670م أقام بوسطها المسجد الجامع ، ثم أسس دار الإمارة بجانبه واختط الجادّة الكبرى التي أصبحت يطلق عليها فيما بعد اسم السماط الأعظم ، قبل أن يتولى توزيع الخطط في معسكره ، فعمّرت القيروان وشدّ النّاس إليها المطايا من كل أفق. وقد تراجع هذا المد بعد عزل عقبة بن نافع عن ولاية إفريقية سنة 55هـ/675م وتولية أبي المهاجر دينار .
وبقي البربر على عدائهم لهذا الجسم المنبثّ داخل وطنهم ورفعوا راية المقاومة على يدي الكاهنة ولم يستتب الأمن ردحا من الزّمن إلا بورود الفاتح حسان بن نعمان إفريقية سنة 79هـ/698م ، فهزم الكاهنة وسكّن البلاد فازدهرت بذلك القيروان وأصبحت قصبة إفريقية. ونظّم حسّان الإدارة ورتّب الدّواوين وصالح الأهالي على الخراج وجدّد جامع عقبة ومهّد الأمر لموسى بن نصير 88 هـ/707م ليتّخذ القيروان قاعدة لفتح المغرب.
2-الدّولة الأغلبية :
شهد العهد الأغلبي بلورة أهم المدارس الفقهيّة بإفريقية وسيطرة المذهبين المالكي والحنفي حيث اشتدّ التنافس بالقيروان بين الحنفيّة والمالكيّة ، وان ظلّ المذهب الحنفي أقل رواجا وشيوعا فإنّه كان يتّخذ أنصاره من بين الطّبقات الخاصة والفئات الاجتماعية الرّاقية وكان من أبرز فقهائه ابن فروخ ( المتوفي سنة 201 هـ ) وأسد بن الفرات ( المتوفى سنة213 هـ) وأبي محرز وسليمان بن عمران. وخلافا لذلك فقد كان فقهاء المالكية أقرب للعامة وأشد التصاقا بهم ممّا سمح بنشر مذهبهم وترجيح كفته .
وقد تميّز الأغالبة بسلوك سياسة متوازنة بين المالكيّة والحنفيّة وحاولوا توزيع المناصب بينهم ودعّموا المذاهب السنيّة بإزاحة الثائرين وقمع الثورات الأباضيّة والخارجيّة .
وقد عرفت القيروان في العهد الأغلبي أزهي أيّامها وحباها أمراؤها بأجل معالمها ، حيث قام زيادة الله الأول منذ سنة 221هـ/ 836 م بإعادة بناء جامعها بما يتلاءم ومنزلة عاصمته الروحية والسياسيّة وقام بتوسيع بيت صلاته، ولم تمض على ذلك عشرون سنة حتى دعت الحاجة أبا إبراهيم أحمد لإضافة بلاطة أخرى تتوسطها قبة تعرف بقبة البهو تعتبر من روائع الفن الإسلامي وأحاط صحن الجامع بالمجنبات من جميع جهاته وفي ذلك دليل قاطع على سرعة ازدياد عدد المصلين ووجوب الاستجابة لحاجتهم لأداء فريضة الصلاة من يوم الجمعة وهو معيار ثابت ينم عن تطور سكان المدينة المطّرد.
3-الخلافـة الفاطميـّة :
كانت القيروان تمثّل قلعة المالكيّة بإفريقية ودرعها الواقي فتصدّي فقهاؤها ورجال دينها لجميع التغييرات التي حاول أن يدخلها الفاطميّون على الحياة الدينيّة كإسقاط صلاة التّراويح في شهر رمضان وزيادة عبارة حي على خير العمل في الآذان وتفضيل على بن أبي طالب على سائر الصحابة . فامتحن وقتل من أجل ذلك عدد من رجال القيروان .
وإن أثّر تحول الفاطميين من رقادة إلى المهدية ومن المهدية إلى صبرة المنصوريّة على نسق نمو القيروان فإنه ليس هنالك ما يدل على حدوث تقلص في عمران المدينة بل أن القائم بني لهم سوقا في موضع سجن سابق سماها القاسميّة وأجرى لهم الخليفة المعزّ قناة تصب في مواجلها بعد أن تملأ برك قصر البحر بصبرة المنصوريّة إسهاما منه في معالجة معضلة الماء التي كانت تتفاقم بقدر تطوّر عدد سكاّن المدينة.
4-الإمارة الصنهاجية :
كانت المدينة آنذاك محطّ رحال التجارة الرابطة بين شطري العالم الإسلامي تردها قوافل المغرب وأودغشت وممالك السودان حيث مناجم الذهب وتصل مرافئها مراكب صقليّة والأندلس ومصر وبحر عمان معبأة بالبضاعة المشرقيّة والهندية ، فتتولى توزيعها في كامل ديار المغرب. وكانت تحيط بالقيروان القرى العامرة والآهلة كسردانية وجلولة وحصر وصدف وغيرها، وهي تتولى تزويدها بما تحتاج إليه من أطعمة وخضر وغلال. كما أن المدينة أصبحت إحدى أهم مراكز صناعة الثياب الرفيعة والخزف والفخار. فتكون بذلك قد استوفت جميع مقوّمات كبريات المدن في ذلك العصر ولعلها كانت إلى جانب قرطبة والفسطاط والقسطنطينيّة أكبر مدن البحر الأبيض المتوسط عدد سكانها الثمانين ألف نسمة .
5-الزّحفة الهلاليّة :
هذا البناء الشامخ بدأ يعتريه الخلل من جراء استفحال العداوة بين صنهاجة وزناتة ونتيجة احتدام الصراع من أجل السلطة والسيادة في المغرب بين بني زيري وبني حمّاد، وقد استدعى ذلك تعبئة جميع الطاقات واستنزاف جميع الموارد ممّا حال دون التفرغ لمواجهة النصارى في البحر الأبيض المتوسط فغلبوا عليه وبدأوا يستأثرون بالطرق البحريّة فتقلصت موارد إفريقية والقيروان. وقد وافق ذلك سنوات عجاف بدأت تنبئ بتزعزع صرح الحضارة القيروانيّة كانت أشأمها سنة 395هـ/1005م، إذ يذكر الرّقيق أنه "كان بإفريقية في ذلك التاريخ شدّة عظيمة خلت فيها المنازل والمساجد بمدينة القيروان وتعطّلت الأفران والحمّامات ومع هذه الشدّة وباء وطاعون هلك فيه أكثر الناس".
ثم جاءت الزحفة الهلاليّة بقاسمة الظّهر وأفضت إلى انقراض الحضارة القيروانية وعاثوا فيها فسادا وأجلوا أهلها عنها فاندرس عمرانها وعمّت الفوضى سائر البلاد وطوّقها البدو من كل جانب وحولوا الأراضي المحيطة بها إلى مراع لمواشيهم.
6-الدولة الحفـصيـّة :
أخذت القيروان بقيام الدولة الحفصيّة تستعيد أمنها وتلم شعثها. فقد صرف لها ملوكهم بعض اهتمامهم وأعيد إحاطتها منذ القرن السّابع بسور يبلغ طوله ثلاثة كيلومترات إلا أنّه يمسح رقعة لا تفوق عشر مساحة القيروان أيام عزّها وامتداد عمرانها ، واهتم المستنصر والأمراء الذين خلفوه بالمسجد الجامع فتم تدارك جدرانه وسقوفه وأخذت تعمّ المدينة المقامات والزوايا والقباب التي أقامتها شخصيّات صوفيّة وفقهيّة فأضفت عليها هالة من الإجلال وأصبحت محلّ تبرّك وتقديس وساهمت في تجديد الحياة الروحيّة والدينيّة داخل المدينة
واهتمّ الحفصيّون بترتيب أسواق المدينة ، ودبّت الحياة فيها من جديد واستطاع أهل القيروان التأقلم مع الإطار المحيط بالمدينة ، فتحولت إلى مركز لصناعة الجلود والدّباغة والملابس الصوفيّة والحياكة والى سوق تعول أهل البوادي المحيطة بما تحتاج إليه من مواد.
7-الدولة المرادية:
بقيام الدولة المراديّة ، صرف لها مراد الأول بعض اهتمامه وجدّد سقوف جامعها الأعظم ، و أعاد بناء مقام الصحابي أبي زمعة البلوي وجعل لأهل القيروان صدقة سنيّة وتصدى لبني سعيد الذين كانوا يتطاولون علي أهل القيروان ويهلكون زرعهم فشرّدهم واستأصل شرّهم .
8-الدولة الحسينية:
خصّ أمراء الدولة الحسينيّة القيروان بتبجيلهم وعنايتهم . ببناء سورها المنهدم، وإحياء آثار الصحابة والتابعين ومدفن شعرات المصطفى صلوات الله عليه .كما شيّدوا المدرسة الحسينيّة وبنوا سوقين . وهذه العناية من طرف الحسينيّن إلى جانب الحركة العمرانيّة النشيطة التي عرفتها المدينة أيام المراديين ، أنزلت القيروان المرتبة الثّانية من بين المدن التونسيّة.
9-القـيروان اليــوم :
هي مركز ولاية ويبلغ عدد سكانها حوالي 165.000 نسمة وهي رابع المدن التونسية وتمثل ملتقى أهم الطرق الرابطة بين مختلف مناطق البلاد.
ويعيش أغلب سكان المدينة من قطاع الخدمات (60%) والفلاحة(30%) والصناعة(10%) .والقيروان اليوم قطب جامعي يشتمل على كليّة للآداب وستة معاهد للتعليم العالي يؤمها أكثر من 15.000 طالب.
ويقتصر قطاع الصناعة على وجود مصنع للتبغ وآخر لتركيب السيارات وبعض المعامل التحويلية في النسيج إلا أنّ أكثر من 15.000 عائلة تسترزق من قطاع الصناعات التقليدية التي من أهمها صناعة الزربية ( السجاد) التي اشتهرت بها القيروان وذاع صيتها، والنحاس والأغطية الصوفيّة ...
وقد بقيت القيروان من أهم المراكز الدينية بالبلاد التونسية ومن أكبر المزارات وبها تقام احتفالات المولد النبوي الشريف. وبعث بها منذ سنة 1989 مركز للدراسات الإسلامية.
ومدينة القيروان العتيقة مازالت محافظة على طابعها العربي الإسلامي الأصيل وعلى شكل أسواقها ودروبها ومسالكها القديمة وهي مسجلة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي منذ سنة 1988.