الفارسة جنين قدورة
26-12-2005, 03:38 PM
لم يحتل جزء فى الجسد الإنسانى مثلما أحتلت العين فى التراث العربى نثره وشعره وحكاياته .. ولقد كان لطبيعة الحياة العربية القديمة أثرا كبيرا فى ظهور ما يسمى بسلوك العين سواء على مستوى اللغة او الإشارة .
فالبيئة العربية القديمة ، نلك الصحراء الواسعة القليلة الماء والزرع فرضت على الإنسان العربى طريقة للعيش ، حيث القبائل المتفرقة والمقفولة على أعضاءها .. شديدة العصبية لتقاليدها التى تتناقلها جيلا بعد جيل ، محافظة على شرفها وأنسابها ..
وشرف العربى هو حياته ، لا شيىء يحل محله سوى الموت .. هذا شرط للجياة داخل القبيلة ، يتقيد به الكبير و الصغير .. الأمر الذى فرض أنماطا سلوكية على شكل الحياة داخل القبيلة وخاصة على المرأة فجعلتها تبدو كأنها تتحرك داخل حصن منيع .. ولأن الإنسان خلق بغرائزه ، وفى قلبه وضع الله حكمة الإرتباط بالمرأة ، كان لابد من اختراق هذا " التابو " بوسيلة اتصال غير محسوسة .. وسيلة لايراها إلا المعنى بها .. هكذا كانت العين التى شكلت جزءا هاما فى التواصل الإنسانى الفعال وكانت صاحبة تلك اللغة الخاصة من لغات الجسد التى ساعدت على التواصل غير اللفظى فى الذات العربية .
وجاءت أشعار العرب تعبر عن هذه اللغة الخاصة بدلالاتها النفسية الإجتماعية . وتناولتها الدراسات الكثيرة بوصفها لغة غير لفظية .. كما أسهم المستشرقون فى ذلك إسهاما وافرا ، فقدم " آلن بيز " فى كتابه " لغة الجسد " فصلا عن إشارات العين مبينا أن هناك أساس حقيقى للإتصال ينشأ عندما تنظر العين لعين شخص آخر ، ومؤكدا على أن 87 % من المعانى تأتى عن طريق العين ، و 9 % عن طريق الأذن ، و 4 % عن طريق سائر الحواس .
فماذا قال العرب بخصوص العين وكلامها :
تعددت الشواهد التى تنقل كلام العين فى التراث العربى وتباينت أشكالها بين الشعر و النثر ، وكثر قول العين حتى غدت معها مرادفة للفم فى العمل و التواصل .
فقال إبن الأعرابى :
العين تبدى الذى فى نفس صاحبها من الشـــناءة أو ود إذا كانــــا
إن البغيض له عين يصـد بهــا لا يستطيع لما فى الصــدور كتمانـــا
العين تنطق و الأفواه ســاكنة حتى تـــرى من ضمير القلب تبيانــا
والعين تخبر بطريقتها وتقول على سجيتها وتتجاوز اللسان فى صدق خبرها :
متى تك فى عدو أو صديق تخبرك العيون عن القلوب
والعين تنادى العين ، فتتعدى التعبير الإنفعالى :
دعا طرفه طرفى فأقبل مسـرعا فأَثر فى خديه فاقتص من قلبى
شكوت إليه ما ألاقى من الهوى فقال على رغم فُتنت فما ذنبى
وعمر ابن ربيعة تكلم كتيرا بعينيه بدلا من لسانه ، وفى الساعات العصيبة تزل عينه فى كلامها كما يزل اللسان ، فيفتضح حاله :
أيــام هند لاتطيع مُحرشا خطِل المقال وسرنا لا يعـلمُ
وعشية حَبَسَت فلم تفتح فما بكلامها من كاشح يتنمـمُ
نَظَرَتْ إليك وذو شبام دونها نظرا يكاد بسرها يتكلـمُ
ويشكو ابن المعتز حزنه من قسوة الحبيبة وعلى الرغم من ذلك يبادل طرفه طرفها الكلام ويتجاذبان أطراف حديث الهوى :
يا غزال الوادى بنفسى أنتـــا لا كما بت ليلة الهجر بِتَّــا
لم تدعنى عيناك أنجو صحيحــا منك حتى حُسبت فيمن قتلنا
يوم يشكو طرفى إلى طرفك الحـ ـب إليه أن قــد علمتـا
ويذوق ابن الفارض حلاوة النظرة جريا على مذاق حلاوة الكلمة :
حديثه أو حديث عنه يطربنى هــذا إذا غاب أو هذا إذا حضر
كلاهما حَسن عندى أُسر به لكن أحـلاهما مـا وافـق النظرا
وفى أجمل ما قيل عن كلام العين ، حيث امتزاج الإشارة بالكلمة بالصوت ، فتبدو لغة العين وكأنها لغة حقيقية تسمع وترى كما فى قول عمر ابن أبى ربيعة :
أشارت بطرف العين خيفة أهلهـا إشارة محزون ولـم تتـكلم
فأيقنت أن الطرف قد قال : مرحبا وأهلا وسهلا بالحبيب المُتيم
وفى دلائل العين المعبرة ما يبين فصاحة وقدرة تعبير الكلام على فعل العين .. يصور ذلك قول تميم بن المعتز :
سبحان من خـــلق الخــدو د شقائقا تتبســــــــمُ
وأعارها الألحـــاظ فــهـ ـى بلحظها تتكــــــلمُ
الغرض من كلام العيون/
الحب /.........
كان ذكر الحبيبة فى كلام الحبيب سواء كان شعرا أو غير شعر نوعا من الفضيحة التى تلحق بأهل الفتاة ، يشوه سمعتها ، ويقلل من هيبتها بين بقية القبائل .. يرجع هذا إلى الأصول الإجتماعية الموروثة منذ القدم ، فقد كانت عادات القبائل والقيود الإجتماعية عند العرب تحرم الغزل و التشبب بالبنات حتى أنه إذا عرفت القبيلة أن شخصا عرض لذكر فتاة من فتياتها فى حديثه أو شعره حرموا عليه الزواج منها ومنعوه من رؤيتها أبد الدهر .. لذلك كان الحديث عن خلجات القلب يتم بعيدا عن آذان المستمعين والواشين ، لذلك كانت وسيلة الوصل وآلة الكلام بين الأفئدة هى العيون لما تمتاز بخاصة الستر و الراحة .. ولولا وحى العيون ما استودع سر ، قال أحد الشعراء :
لعمرى ما استودعت سرى وسرها سوانا حِــذارا أن تشيع السرائر
ولا خاطبتــها مقلتاى بنـظرة فتعلم نجوانا العيون النــواظـر
ولكنى جعلت اللحظ بينى وبينهـا رسولا فــأدى ما تُجِنُ الضمائر
وإذا غابت الحبيبة فإن العين هى التى تهتدى إليها فيقول الباخرزى :
قالت وقد فتشت عنها كل من لاقيته من حاضـــر أو بادى
أنا فى فؤادك فارم لحظك نحوه ترنى فقلت لها وأين فــؤادى
تابع
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])
قصر الإبداعت الشعرية والأدبية يشكركَ على المشاركة المميزة
فالبيئة العربية القديمة ، نلك الصحراء الواسعة القليلة الماء والزرع فرضت على الإنسان العربى طريقة للعيش ، حيث القبائل المتفرقة والمقفولة على أعضاءها .. شديدة العصبية لتقاليدها التى تتناقلها جيلا بعد جيل ، محافظة على شرفها وأنسابها ..
وشرف العربى هو حياته ، لا شيىء يحل محله سوى الموت .. هذا شرط للجياة داخل القبيلة ، يتقيد به الكبير و الصغير .. الأمر الذى فرض أنماطا سلوكية على شكل الحياة داخل القبيلة وخاصة على المرأة فجعلتها تبدو كأنها تتحرك داخل حصن منيع .. ولأن الإنسان خلق بغرائزه ، وفى قلبه وضع الله حكمة الإرتباط بالمرأة ، كان لابد من اختراق هذا " التابو " بوسيلة اتصال غير محسوسة .. وسيلة لايراها إلا المعنى بها .. هكذا كانت العين التى شكلت جزءا هاما فى التواصل الإنسانى الفعال وكانت صاحبة تلك اللغة الخاصة من لغات الجسد التى ساعدت على التواصل غير اللفظى فى الذات العربية .
وجاءت أشعار العرب تعبر عن هذه اللغة الخاصة بدلالاتها النفسية الإجتماعية . وتناولتها الدراسات الكثيرة بوصفها لغة غير لفظية .. كما أسهم المستشرقون فى ذلك إسهاما وافرا ، فقدم " آلن بيز " فى كتابه " لغة الجسد " فصلا عن إشارات العين مبينا أن هناك أساس حقيقى للإتصال ينشأ عندما تنظر العين لعين شخص آخر ، ومؤكدا على أن 87 % من المعانى تأتى عن طريق العين ، و 9 % عن طريق الأذن ، و 4 % عن طريق سائر الحواس .
فماذا قال العرب بخصوص العين وكلامها :
تعددت الشواهد التى تنقل كلام العين فى التراث العربى وتباينت أشكالها بين الشعر و النثر ، وكثر قول العين حتى غدت معها مرادفة للفم فى العمل و التواصل .
فقال إبن الأعرابى :
العين تبدى الذى فى نفس صاحبها من الشـــناءة أو ود إذا كانــــا
إن البغيض له عين يصـد بهــا لا يستطيع لما فى الصــدور كتمانـــا
العين تنطق و الأفواه ســاكنة حتى تـــرى من ضمير القلب تبيانــا
والعين تخبر بطريقتها وتقول على سجيتها وتتجاوز اللسان فى صدق خبرها :
متى تك فى عدو أو صديق تخبرك العيون عن القلوب
والعين تنادى العين ، فتتعدى التعبير الإنفعالى :
دعا طرفه طرفى فأقبل مسـرعا فأَثر فى خديه فاقتص من قلبى
شكوت إليه ما ألاقى من الهوى فقال على رغم فُتنت فما ذنبى
وعمر ابن ربيعة تكلم كتيرا بعينيه بدلا من لسانه ، وفى الساعات العصيبة تزل عينه فى كلامها كما يزل اللسان ، فيفتضح حاله :
أيــام هند لاتطيع مُحرشا خطِل المقال وسرنا لا يعـلمُ
وعشية حَبَسَت فلم تفتح فما بكلامها من كاشح يتنمـمُ
نَظَرَتْ إليك وذو شبام دونها نظرا يكاد بسرها يتكلـمُ
ويشكو ابن المعتز حزنه من قسوة الحبيبة وعلى الرغم من ذلك يبادل طرفه طرفها الكلام ويتجاذبان أطراف حديث الهوى :
يا غزال الوادى بنفسى أنتـــا لا كما بت ليلة الهجر بِتَّــا
لم تدعنى عيناك أنجو صحيحــا منك حتى حُسبت فيمن قتلنا
يوم يشكو طرفى إلى طرفك الحـ ـب إليه أن قــد علمتـا
ويذوق ابن الفارض حلاوة النظرة جريا على مذاق حلاوة الكلمة :
حديثه أو حديث عنه يطربنى هــذا إذا غاب أو هذا إذا حضر
كلاهما حَسن عندى أُسر به لكن أحـلاهما مـا وافـق النظرا
وفى أجمل ما قيل عن كلام العين ، حيث امتزاج الإشارة بالكلمة بالصوت ، فتبدو لغة العين وكأنها لغة حقيقية تسمع وترى كما فى قول عمر ابن أبى ربيعة :
أشارت بطرف العين خيفة أهلهـا إشارة محزون ولـم تتـكلم
فأيقنت أن الطرف قد قال : مرحبا وأهلا وسهلا بالحبيب المُتيم
وفى دلائل العين المعبرة ما يبين فصاحة وقدرة تعبير الكلام على فعل العين .. يصور ذلك قول تميم بن المعتز :
سبحان من خـــلق الخــدو د شقائقا تتبســــــــمُ
وأعارها الألحـــاظ فــهـ ـى بلحظها تتكــــــلمُ
الغرض من كلام العيون/
الحب /.........
كان ذكر الحبيبة فى كلام الحبيب سواء كان شعرا أو غير شعر نوعا من الفضيحة التى تلحق بأهل الفتاة ، يشوه سمعتها ، ويقلل من هيبتها بين بقية القبائل .. يرجع هذا إلى الأصول الإجتماعية الموروثة منذ القدم ، فقد كانت عادات القبائل والقيود الإجتماعية عند العرب تحرم الغزل و التشبب بالبنات حتى أنه إذا عرفت القبيلة أن شخصا عرض لذكر فتاة من فتياتها فى حديثه أو شعره حرموا عليه الزواج منها ومنعوه من رؤيتها أبد الدهر .. لذلك كان الحديث عن خلجات القلب يتم بعيدا عن آذان المستمعين والواشين ، لذلك كانت وسيلة الوصل وآلة الكلام بين الأفئدة هى العيون لما تمتاز بخاصة الستر و الراحة .. ولولا وحى العيون ما استودع سر ، قال أحد الشعراء :
لعمرى ما استودعت سرى وسرها سوانا حِــذارا أن تشيع السرائر
ولا خاطبتــها مقلتاى بنـظرة فتعلم نجوانا العيون النــواظـر
ولكنى جعلت اللحظ بينى وبينهـا رسولا فــأدى ما تُجِنُ الضمائر
وإذا غابت الحبيبة فإن العين هى التى تهتدى إليها فيقول الباخرزى :
قالت وقد فتشت عنها كل من لاقيته من حاضـــر أو بادى
أنا فى فؤادك فارم لحظك نحوه ترنى فقلت لها وأين فــؤادى
تابع
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])
قصر الإبداعت الشعرية والأدبية يشكركَ على المشاركة المميزة